تبدو المتاجر الأميركية في مأزق حقيقي هذه الأيام، فهي تواجه حالة من النهب المنظم، لأول مرة في التاريخ الأميركي الحديث، آخر هذه السرقات الجماعية كانت منتصف هذا الأسبوع في مدينة فيلادلفيا وضحيتها أحد المتاجر الشهيرة لعملاق التكنولوجيا الأميركية شركة آبل، وقد كان المشهد مستفزاً جداً لدرجة أن الملياردير الأميركي إيلون ماسك غرد قائلاً بأن هذا المشهد الشنيع ينذر بتفكك نسيج المجتمع الأميركي، ولأن الموضوع يتفاقم بشكل غريب منذ 3 سنوات، فقد بدأت المتاجر في وضع أقفال على السلع والمنتجات وعرضها خلف زجاج مضاد للسرقة، إلا أن هذه الظاهرة تشير في المجمل إلى أن الولايات المتحدة في مرحلة متأخرة جداً من التدهور الأخلاقي، رغم الاقتصاد المرن وقوة سوق العمل، وربما نكون في المرحلة الأخيرة من اندثار الرأسمالية المتوحشة، في الوقت الذي يواجه فيه تجار التجزئة لأول مرة معضلة المواجهة مع العصابات الإجرامية المنظمة بدون وجود غطاء أمني حقيقي.

تكبد سرقة المتاجر الأميركية باعة التجزئة 112 مليار دولار سنويًا، وهذا يعني أن التجار يواجهون مستويات غير مسبوقة من السرقة إلى جانب تفشي الجريمة في متاجرهم، مما يعني أن الوضع غير آمن في بلاد تصنف على أنها أكبر اقتصاد عالمي، وأحد التداعيات الكارثية لهذا الأمر هي أن تكاليف السرقة تنتقل للعميل، عبر زيادة الأسعار بهدف التعويض، وربما يتم إغلاق بعض فروع المتاجر، مثل شركة تارجت، ثامن أكبر سلسلة متاجر تجزئة في الولايات المتحدة، حيث قررت إغلاق تسعة متاجر في أربع ولايات بعد أن ثبت لديها أن الجهود الأمنية المبذولة لقمع السرقة غير كافية، وبالرغم من أن هذه المتاجر استثمرت بكثافة في استراتيجيات منع السرقة وجرائم التجزئة المنظمة، مثل إضافة المزيد من موظفي الأمن، واستخدام حراسات ليلية، لردع السرقة، إلا أنها ما زالت تواجه تحديات أساسية لتشغيل متاجرها بأمان.

من الطبيعي أن يشعر أصحاب المتاجر بالخوف على حياتهم وأموالهم، إذ من الواضح أن هناك منظمات إجرامية وعصابات تقف وراء عمليات السطو الجماعي، وبعضهم لصوص تجزئة محترفين، ويبدو أن هناك سوقا سوداء لشراء هذه العناصر الإجرامية التي تعيد تنفيذ نفس الجرائم بمتاجر مختلفة في كل الولايات الأميركية بهدف ترويع وإرباك أصحاب المتاجر والموظفين، وحتى الآن لم تنظر سلطات التحقيق الفيدرالية في أي اتهامات بجرائم الكراهية، وهذا يعني أن المتاجر لم يتم سرقتها بسبب انتماء أصحابها العرقي، بل لأن الجناة اعتقدوا أنها تحتوي على بضائع أو سلع ثمينة يمكن بيعها بسهولة، والواقع أن هذه الموجة من السرقات زادت الضغوط على تجار التجزئة الذين يشعرون بضغوط أخرى تتعلق بمشكلات سلاسل التوريد وزيادة التسوق عبر الإنترنت، وقد عزز هذا الأمر من وضع علامات الاستفهام حول انضباط الشرطة الفيدرالية مع قليل من التبعات القانونية التي يشعر بها الجناة.

وقد يكون الأمر جزء من مواجهة مفتوحة بين بعض الأميركيين، خاصة السود، والشرطة الفيدرالية، لأن ظاهرة السرقات الجماعية للمتاجر بدأت منذ 2020 عقب المظاهرات الحاشدة التي نظمت اعتراضا على مقتل جورج فلويد الأمريكي من أصل إفريقي أثناء اعتقاله على يد الشرطة، وقد رفعت تلك المظاهرات وقتها شعار "تقليل الأموال لرجال الشرطة"، وبالفعل، عدلت القوانين بعدها لتقلل مدة الحبس الاحتياطي من 3 أيام إلى ليلة واحدة في حالة القبض على أحد المتهمين بالسرقة، فضلا عن تخفيف عقوبة السرقة من جناية إلى جنحة في حالة لم تبلغ قيمة المسروقات ألف دولار، وهذا الأمر جرأ الكثيرين على السرقة طالما أن المبلغ المسروق أقل من الحد القانوني، في المقابل يشعر بعض رجال الشرطة الفيدرالية منذ هذا الوقت بالإحباط نتيجة عدم وجود دعم حقيقي لهم من إدارة الرئيس جو بايدن، ولهذا يشعرون بأنهم يعرضون حياتهم للخطر بدون مقابل.