تلتئم في الهند مطلع هذا الأسبوع واحدة من أهم القمم الحرجة في تاريخ مجموعة العشرين، المنقسمة بشدة، لدرجة أن الرئيس الصيني شي جين بينج سيغيب لأول مرة عنها، وتاريخياً، لم يسبق لأي رئيس صيني أن تجاوز قمة العشرين، مما يجعل هذا الغياب ذا أهمية كبيرة، ويفرض سؤالاً حول جدوى نتائج اجتماع هذه المرة، ومدى تأثير القرارات في غياب ختم موافقة بكين؟، والإجابة ضبابية بكل تأكيد، بالرغم من الثقل الهائل الذي تتمتع به المجموعة، حيث تشكل 60 % من سكان العالم، وأكثر من 80 % من الناتج العالمي، مما يجعلها المنصة الاقتصادية الأكثر تأثيراً في العالم، لكن الزخم المرتبط بها ربما يصبح عائقاً، بسبب أن تنافر القوى العظمى المتنافسة مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، وتعاملها بشكل أيديولوجي سافر مع مصالح متضادة، أو غير متوافقة.

تعكس مجموعة العشرين العالم بشكل أكثر واقعية، إذ تضم في عضويتها دولاً نامية من آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا لا يحدث مثلاً في تحالف مجموعة السبع المقتصر على الدول الصناعية الكبرى، ومع ذلك، فإننا يجب أن ندرك أن المجموعة تعيش لحظة جيوسياسية صعبة للغاية، مما يقلل من إمكانية حدوث اختراقات قوية في بعض الملفات، فالولايات المتحدة وحلفاؤها سيجتمعون تحت سقف واحد مع الصين وروسيا، وعلينا أن نتوقع منهم الكثير من المتاعب، وأبرزها الانقسام حول أوكرانيا، ففيما تدين واشنطن وحلفاؤها روسيا وتفرض عليها عقوبات صارمة، تمتنع الصين والهند وعدد من الدول عن التعاطي مع الرؤية الغربية، وهذا يؤشر على أن إيجاد أرضية مشتركة أثناء الاجتماعات سيكون ضمن أكبر التحديات التي تواجه القمة.

لم تتوان الهند منذ استلامها رئاسة المجموعة في ديسمبر 2022، في العمل من أجل بناء إجماع دولي حول سبل التعامل مع الملف الأوكراني الشائك، إلا أن هذه المهمة المستحيلة منعت نيودلهي من إصدار محاضر اللقاءات لمجموعات العمل التابعة للمجموعة، والتي استضافتها على مدى الأشهر الماضية، ولا شك أن الهند تعتقد أن القمة الحالية فرصة لإظهار قدرتها على القيام بشيء فعال في هذا الاتجاه، وهذا موضع شك كبير، خاصة في ظل غياب الرئيسين الصيني والروسي عن القمة، وربما يغيب أيضاً الرئيس المكسيكي، مما يصعب من مهمة نيودلهي في بناء توافق دولي حول الحرب في أوكرانيا تحديداً، وإذا فشلت الهند في تأمين بيان مشترك في ختام اجتماعات المجموعة بسبب انقسامات الأعضاء، فسيكون ذلك أمراً محرجاً، وضربة موجعة للدولة المضيفة.

ونعتقد أن هذه القمة يجب أن تتعامل بجدية مع مخاوف دول الجنوب العالمي في ظل تزايد عدم المساواة، حيث يسرى شعور قوي بين هذه الدول بأن عدداً قليلاً من الأقطاب الدوليين يهيمنون على قرارات المنظمات الدولية، ولهذا، سلطت الهند الضوء على هذه المخاوف عندما عقدت في بداية رئاستها للمجموعة اجتماعاً افتراضياً لدول الجنوب حضرته 125 دولة، ووقتها شدد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على أن ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في دول الجنوب، وهؤلاء يجب أن يكون لهم صوت مكافئ، وإذا كانت الحوكمة العالمية التي تقودها الأمم المتحدة قد فشلت بالثلث، فإن الواقع يتطلب مزيداً من المنتديات البديلة التي تتضمن تمثيلاً عادلاً للجزء الأكبر من سكان العالم، حتى يتم الاستماع إلى مشاكلهم وحلها، وإذا كان الغرب يعتبر الحرب الروسية الأوكرانية صراعاً عالمياً يستوجب التدخل، بينما يغيب عن مساعدة الجنوب مالياً وإنسانياً، فإن التركيز الحصري على الأمن فقط لا يمكن أن يقيل الاقتصاد العالمي من عثراته، بل يجب توسيع رقعة المناقشات لتشمل جميع الأزمات الاقتصادية في كل العالم.