"الخلود" عنوان رواية للعظيم ميلان كونديرا، الذي رحل عن عالمنا قبل مدة قصيرة، رواية الخلود نشرت العام 1988 بالتشيكية ثم العام 1990 بالفرنسية وترجمت إلى العربية 2014 وقرأتها في ذلك العام ثم أعدت قراءتها هذا العام. وهي رواية فيها الكثير من الفلسفة التي يوحي بها الاسم، وفيها الكثير من السخرية والتهكم والكثير من الحكايات التي تظن للوهلة الأولى أنها غير مترابطة، ثم تجده يشد الخطوط إلى بعضها وتعرف كم أنها تنتهي إلى عالم مترابط بشكل عجيب.

الرواية تتحدث عن الخلود، الخلود الذي يجده كونديرا توءما للموت، ولذلك هناك الكثير من الموت والموتى في الرواية، وهناك ذلك الغوص العميق في رغبة الإنسان الدائمة في الخلود، وشغفه في تخليد اسمه بعد الموت، تتساءل الرواية عن معنى ذلك، وتعرض لنا كيف تم تخليد الأدباء وغيرهم عبر الزمن، ليس من خلال أعمالهم، بل من خلال سيرهم، كيف عاشوا ومن عاشروا وكيف ماتوا، عرض ذلك بشكل جلي من خلال أديبين كتبت سيرتهم عدة مرات، وتحدث الناس عن علاقاتهم الشخصية أكثر بكثير من حديثهم عن أعمالهم الأدبية، غوته وهيمنجواي، ربما لذلك كان كونديرا طيلة حياته لا يحب الحديث إلى الصحافة أو عمل اللقاءات، ربما لأنه لا يحب ذلك النوع من الخلود.

أفكار كثيرة في الرواية، كما الأحداث، تعتقد ألا علاقة ببعضها البعض، لكن كلما استمررت في القراءة، تكتشف الخيط الذي يربط الأفكار، فسيفساء عجيبة، يركبها كونديرا بخفة، وحرفية وصبر، من حديثه عن الإيماءة وعظمتها، إلى الحديث عن الوجوه إذا كانت فعلا تعبر عن وجودنا ومعناه إلى الحديث عن الجنس والحب والعلاقة بينهما، الشهرة، الزواج، العائلة أمور كثيرة يغوص فيها ويختبرها ويشرحها ويجعلنا ننظر معه وهو يفعل ذلك بدقة، ننظر إلى كلماته، السكين التي يشرح بها كل المفاهيم والمفردات التي تعودنا عليها، نفتح أعيننا بشدة، وبالطبع، ندهش، ونراجع تلك المفاهيم ولا أعرف إذا كانت ستؤثر فيما بعد على تسليمنا للأمور التي ناقشها، أم لا، لكنني أعتقد بشدة أنها على الأقل تفتح باب الأسئلة في أدمغتنا التي تعودت على الأمور كما هي.

يدرك كونديرا أن المرء إذا غفل عن سطر واحد من روايته فإنه لن يفهم الكثير منها، ويشعر بالحزن وهو يذكر ذلك في الرواية، لأنه يعرف أن حتى هو يقوم بذلك مع كتابات الآخرين.

ميلان كونديرا كاتب لا يشبه أي كاتب، وفي هذه الرواية بالذات، تتجلى طريقة كتابته ببراعة لا يمكن سوى أن يحبس معها المرء أنفاسه وهو يقرأ، لا أعرف متى سأعيد قراءة الرواية مرة أخرى، لكنني متأكدة أنها ستدهشني جدًا مرة ثالثة حين أفعل.