أخطر أنواع الجهل بالمقومات جهل الإنسان بذاته وما لها من القيمة والأهمية، وأقسى ما يتمثل به هذا الجهل صرفها عمّا خُلقت لأجله من عبادة الله، والعزوف عن توحيده وإفراده بالعبادة، فهذا هو السَّفَهُ الذي لا يُقارنُ به سَفَهٌ..

من أسباب النجاح في جميع المجالات أن يعلم الإنسان مقوماته على الوجه الصحيح، وعليه إذا عرفها أن يستثمرها ويُنميها وأن يحافظ عليها، ولا يحرص على منفعة متوهمة على حسابها، وبتطبيق هذا المبدأ أفلح الناجحون القائمون بما يُصلِحُ لهم دينهم ومعاشهم ومعادهم، كما أن من جوالب الإخفاق جهل المرء بمقوماته، وبعض المقومات من البدهي المعرفة بوجودها؛ لاستناد بعضها إلى الحسِّ والمشاهدة، وكون بعضها مما يعلمه الإنسان ضرورة كمعرفته بنفسه، لكن يأتي جهلها متمثلاً في عدم صيانتها على الوجه اللائق بها، وعدم استثمارها فيما جُعلت لأجله، ومن عرف قيمة شيء وأهمله انقلبت معرفته به جهلاً، ومن عطَّلَ معارفه فهو جاهلٌ بها إذ المعرفة الـمُعطَّلة كالعدم، وكل من أخلد إلى الأرض وأضاع حياته وما حباه الله تعالى من أسباب الرفعة فإنما أُتِي من قِبَلِ جهله بمقوماتٍ له من شأن التنبه لها ومراعاتها أن ترفعه من الحضيض، لكنه لم يرفع لها رأساً، فلم يكن من سبيلٍ يُمكن أن يسلكه إلى النجاح، ولي مع إهمال المقومات وجهلها وقفات:

الأولى: أخطر أنواع الجهل بالمقومات جهل الإنسان بذاته وما لها من القيمة والأهمية، وأقسى ما يتمثل به هذا الجهل صرفها عما خُلقت لأجله من عبادة الله والعزوف عن توحيده وإفراده بالعبادة، فهذا هو السَّفَهُ الذي لا يُقارنُ به سَفَهٌ، وقد قال الله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)، ومن الجهل بقيمة النفس البشرية جعل منتهى نظرها ومطمح أملها ما تُشاركه فيها الكائنات الحية من مطعمٍ ومشربٍ ونحوهما، بلا أدنى التفاتٍ إلى بناء مستقبلٍ أو كدٍّ في عملٍ أو بناءِ مأثرةٍ، أو اكتسابِ محمدةٍ، فلا يُبالي مَنْ حالُهُ هذا أن ينسلخ عَقدٌ من عمره بلا إنجازٍ يذكر، ومن تعوَّد على إهمال مقوماته ضاعت مصالحه في دينه ودنياه، وفاته نيل الشرف بالإسهام في عمارة الأرض وإصلاحها، فلا هو عامرٌ لدنياه ولا هو عاملٌ لأخراه، فضلاً عن أن يتعدى نفعه إلى الآخرين، بحيث يكون ميموناً على من حوله، فالـمُهملُ لا ينال شرف الإسهام في الإنجازات المسهمة في عمارة الأرض وإصلاحها، ومن عنده شيءٌ من جهلِ مقوماته فاته من النفع العاجل والخير الآجل بقدر ما أهمل، فبعض الناس يُهملُ الآجلة بالكلية، ويبني من العاجلة ما أمكنه، والتصرف السليم أن ينظر الإنسان إلى حاله فيكتشف ما فيه من التقصير فيتداركه، وأن يبذل جهده في أن لا يتوانى عما يرضي ربه حسب طاقته، وأن لا يهمل شؤون حياته.

الثانية: ذرية الإنسان من المقومات التي يقع الإهمال فيها بشكلٍ يُشبهُ الجهل بقيمتها، وهذا من أسباب الضعف وفوات المصالح الدنيوية والأخروية؛ فتكوين الذرية الصالحة جزءٌ بالغُ الأهمية من بناء المستقبل المثمر، وبذرةٌ نافعةٌ لا حدود لثمراتها إذا نـُمِّيت على الوجه اللائق بها؛ وكل ما يتوق إليه الإنسان من قرة العين في الدنيا ونيل الثواب الجزيل في الآخرة يتحقق من خلال نجاحه في تنشئة الأسرة الصالحة المتمسكة بدينها المخلصة لوطنها المسهمة في خدمة مجتمعها، فمثل هؤلاء عِزٌّ ورفعةٌ وشرفٌ في هذه الحياة، وإذا مات الإنسان كانت دعواتهم له من عمله الصالح الذي لا ينقطع، وبهم يبقى الذكر الحسن على تطاول القرون، كما أن من الجهل بالمقومات والتهاون بها الفشل في الإبقاء على الصداقات وصيانتها ووضعها في مكانتها الجديرة بها، فبعض الناس تهون عليه صداقةٌ عزيزةٌ فلا يعرف لها قيمتها، ويُضحِّي بها في أدنى اختبارٍ تتعرض له، مع أنه بناها عبر السنوات الطويلة حتى طال أمدها، وظُنَّ أن أساسها راسخٌ، وأن أركانها متينة، وهو في هذا كمن نقضت غزلها بعد قوة.

الثالثة: من المقومات البالغة الأهمية والتي تنطوي على ما لا يُحصى من المقومات الجزئية: الوطنُ وما له من المقدرات وفي مقدمتها قيادته وكل من ينضوي تحت لوائها ممن يعمل للمصلحة العامة في جميع المجالات، فما أعظم قيمة هذا الـمُقوِّم وما يتحقق به من المصالح الدينية والدنيوية، وما يندفع به - بفضل الله تعالى وتوفيقه - من المحن والآفات والمصائب، ومن أدرك هذه القيمة وعرفها حق معرفتها لم يُقايض به شيئاً، وبذل في صون هذه النعمة والذبِّ عنها كل ما يتطلبه ذلك من جهدٍ وتضحيةٍ، ومن عاش على هذا ومات عليه صان دينه وعرضه، ومن جهل هذا الـمُقوِّم فلم يلتفت إلى قيمته وجدواه، فقد أظهر للناس سوء رأيه وعمى بصيرته، وبَرهَنَ على أنه لا تهمه المحافظة على مصالحه الضرورية من دينه ونفسه وعقله وعرضه وماله، ولا يعنيه الإبقاء على أسباب عمارة الأرض وإصلاحها، وهذا هو منتهى السَّفه، وقمة ضحالة الفكر، وغاية حبِّ الشرِّ للخلق.