يكشف محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخير عن مدى قلق صناع السياسة النقدية من المخاطر التضخمية الخطيرة التي توثر على سلامة الاقتصاد، وتتطلب مزيداً من التشدد في السياسة النقدية، لكنه قلق لم يمنع الجدل، ففيما فضل اثنان من المشاركين إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، رأى الغالبية مخاطر صعودية كبيرة للتضخم تتطلب رفع الفائدة، والسؤال الكبير يتمحور حول قدرة أسعار الفائدة الراهنة على الوصول بالتضخم إلى هدف 2 %، وهذه مهمة يتعين على الفيدرالي إنجازها بشكل مبكر قبل الدخول في أتون الانتخابات الرئيسية العام المقبل، والواقع أن الارتفاع العنيف في أسعار الفائدة على مدى الـ16 شهرًا الماضية شكل ضرراً محدقاً على النمو، ولهذا، يتخوف مسؤولو الفيدرالي بشأن مستقبل الاقتصاد الأميركي، بالرغم من مرونة النشاط الاقتصادي وقوة سوق العمل، إلا أن هناك في المقابل ظروفاً معاكسة تجتاح العديد من القطاعات الاقتصادية ومخاطر تهدد معدلات التوظيف.

يدخل الفيدرالي الآن حقبة أكثر تعقيدًا، إذ يؤدي تباطؤ التضخم إلى مزيد من الانقسام بين صانعي السياسة حول نسب رفع الفائدة، وإذا كان قرار الرفع بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماع يوليو جاء بالإجماع، إلا أن المحضر يظهر جدلية القرار، حيث فضل اثنان من المشاركين ترك أسعار الفائدة دون تغيير، على أساس أن هذا يسمح باكتساب المزيد من الوقت والتروي في تقييم جهود القضاء على التضخم، ومع ذلك، لا يقدم محضر الاجتماع إجابة واضحة وشافية بشأن قرب نهاية حملة رفع أسعار الفائدة، فإذا كان المسؤولون يقرون بنجاح جزئي في كبح جماح التضخم، إلا أنهم يعتقدون أنهم بحاجة إلى رؤية المزيد من البيانات والإشارات المشجعة على أن العرض والطلب يتحركان إلى توازن، والتأكد من أن ضغوط التضخم تنحسر.

لكن الخبر الجيد للأميركيين، هو أن خبراء البنك المركزي لم يعودوا يتوقعون دخول الاقتصاد في حالة ركود، لكنهم يرجحون تباطؤاً للنمو، وهذا سيؤدي بالقطع إلى زيادة طفيفة في معدلات البطالة، والواقع أن الأسواق كانت تتهيأ منذ ثمانية عشر شهرًا لركود أميركي محتمل، بينما يؤكد محضر الفيدرالي أنه لا انكماش خلال عام 2023، وهكذا، تتبخر الأسطوانة المشروخة بشأن الركود الاقتصادي، والحديث الآن يدور حول هبوط ناعم ترافقه مطبات، مما يعنى أنه لا يزال هناك عمل كبير يتعين على الفيدرالي القيام به حتى ينعم بفرحة الانتصار الكامل على وحش التضخم، وباعتقادي، فإن الفيدرالي سيبقي سعر الفائدة ثابتاً خلال اجتماع سبتمبر المقبل، وربما يعود لرفعها في نوفمبر، وهذا يعني تخفيف الضغط على أسواق المخاطرة الشهر المقبل، وزيادة التقلبات في الشهر التالي.

لن يسمح الفيدرالي بعرقلة المهمة أو تأخير الانتصار، والسر في كلمتين "الانتخابات الرئاسية"، ودعونا نتصور ماذا سيحدث إذا وجد الفيدرالي نفسه في الربع الأول من عام 2024 وسط معدلات بطالة 4 % وتضخم 4 ٪، هنا سيصبح موقفه صعب للغاية، لأن الاقتصاد يعد عاملاً حاسماً في الفوز بالانتخابات، والجميع يعلم مدى ولاء جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي للرئيس جو بايدن، ولهذا، يقاتل الفيدرالي من أجل طي صفحة الملفات الساخنة، والحقيقة التاريخية تؤكد أن رفع أسعار الفائدة بشكل حاد في خضم دورة انتخابية مسألة حساسة للغاية في الولايات المتحدة، فحتى قاهر التضخم بول فولكر رئيس الاحتياطي الفيدرالي منذ 1979 وحتى 1987، قرر تخفيف السياسة النقدية المتشددة خلال الحملة الرئاسية عام 1980، وإذا نجح الفيدرالي في النزول هذا العام بمعدلات التضخم إلى قرابة 2٪، فسيكون هذا دعماً مهماً للرئيس جو بايدن وحزبه الديمقراطي خلال انتخابات عام 2024، والعكس صحيح.