لم أتفاجأ أبداً بالتقرير الأخير لمنظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، والذي أشار إلى قفزة استثنائية في أسعار الغذاء خلال شهر يوليو، فقد أصبح التضخم قصة عالمية بامتياز، وباعتقادي، فإن هذه الزيادات السعرية تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية، الأول استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي وضعت صادرات الغذاء في مأزق تاريخي يصعب الخروج منه، حتى تأثرت الإمدادات وازداد خطر اندلاع أزمة غذاء عالمية شاملة، والسبب الثاني هو الإنفاق الحكومي الضخم في كثير من الدول، والذي زاد من حجم السيولة في الأسواق، والثالث تضخم الجشع، أو جشع التجار الذين رفعوا الأسعار بهدف جني المزيد من الأرباح مستغلين حاجة الناس، وعدم وجود رقابة حقيقية على الأسواق، فلعبوا كما لم يلعبوا من قبل، وبعضهم اعتبرها فرصة مواتية لتعويض خسائر سني الجائحة.

تبدو رقبة الغذاء الآن بيد الروس، لأنهم عطلوا منذ أسابيع عمل مراكز تصدير الغذاء الرئيسية في أوكرانيا، مما فاقم أسعار القمح في يوليو، ولهذا، تبدو موسكو الوحيدة القادرة على تحريك أسعار الغذاء بالرفع أو الخفض، ودعونا نتخيل، ماذا سيحدث مثلاً إذا توقفت الحرب وما تأثير ذلك على تدفق الإمدادات والأسعار، والواقع أن ارتفاع الأسعار يأتي ضمن منظومة متكاملة من الارتفاعات، فقد زادت أسعار الأسمدة، المهمة لتخصيب الأرض الزراعية، وازدادت تكلفة الغاز الروسي على الأوروبيين، وهذه عوامل كفيلة بإشعال حريق الأسعار، ومما زاد الطين بلة، تلك الاضطرابات الزراعية الناجمة عن التغير المناخي والطقس شديد الحرارة، والأولوية الآن لوقف نزيف الحرب التي تأتي على رأس الجناة المسؤولين عن ارتفاع معدلات التضخم في المنتجات الغذائية.

من الطبيعي أن تتقلب أسعار المواد الغذائية مع مواسم الحصاد، فقد أضعف الصيف شديد الحرارة هذا العام الإنتاجية وأفشل حصاد العديد من المحاصيل الزراعية، والتي كان بعضها أكثر عرضة للتغيرات المناخية من غيرها، وعلى سبيل المثال فقد أتلف الصيف الحار أشجار الزيتون، وتسبب في ضعف المحصول، فارتفعت أسعار زيت الزيتون إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، خاصة في دولة مثل إسبانيا، والتي تعد واحدة من أهم منتجي القطاع في العالم، وهناك أيضاً الأرز الذي تأثر إنتاجه بالمناخ الحار عند كبار المنتجين مثل إيطاليا والهند، حيث تزرع إيطاليا حوالي 50 ٪ من محصول الأرز الأوروبي، ونتيجة للجفاف، تجني هذا العام أقل محصول أرز لها منذ 23 عاماً، أما الهند، فقد أدت الأمطار الموسمية المتأخرة والغزيرة إلى إتلاف المحصول، حتى أوقفت السلطات تصدير بعض نوعيات الأرز، غير البسمتي، إلى العالم.

مربط الفرس بالنسبة لنا كمستهلكين، هو ضمان استقرار الأسعار، إذ تؤثر الزيادات على القوة الشرائية والنمو، بينما يفاقم التضخم من أعباء الأسر الفقيرة، ويزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي على المدى الطويل، وللأسف، فإن أكثر من 140 مليون عربي معرضون اليوم لانعدام الأمن الغذائي بسبب اختناق إمدادات الحبوب والمنتجات الغذائية عموماً، وهنا، علينا أن نعترف بأن التضخم "بعبع المستهلكين" وجد ليبقى، وعلى صانعي السياسات أن يقلقوا من اعتقاد المستهلكين بأن ارتفاع الأسعار أصبح مشكلة طويلة الأجل ستستمر حتى الأجيال المقبلة، حيث تشعر الأسر بالقلق المتزايد على أبنائها من أزمة تكلفة المعيشة، وما يتبع ذلك من بطالة وعنوسة وفقدان المسكن وعدم تقدير الذات، وإذا كانت نقاط الألم التضخمية ستبقى كما هي، فإن معظم المستهلكين يتحوطون بشكل كلاسيكي عبر الادخار المالي، لأن "القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود"، لكنه تحوط يواجه أيضاً ظروفاً معاكسة بسبب غول الأسعار الذي التهم قوّتهم الشرائية، ولم يبقِ لهم إلا القليل.