ليس من مصلحة الأمن الغذائي ولا المستهلكين، حدوث اختناقات، أو هجمة مرتدة على صادرات الحبوب الأوكرانية، فالجميع سيشعر بمرارة الألم، وستكون هناك آثار سلبية مضاعفة على أسعار الخبز والمواد الغذائية، ومن المؤسف، أن تضيف الضربات الروسية الأخيرة ضد الصوامع والبنية التحتية في موانئ نهر الدانوب مزيداً من التعقيدات، فهذا يعني ببساطة أن موسكو مستعدة لاستهداف أي طرق تصدير بديلة للإمدادات الأوكرانية، فضلاً عن أنه يهدد بتعطيل محصول هائل بحجم 60 مليون طن سنوياً، ويرفع المخاوف في قطاع يوظف 14 % من القوة العاملة في أوكرانيا، ولهذا، فإن مصلحة العالم تقتضي تأمين الإمدادات الغذائية دون عراقيل، خاصة مع انفجار عدد سكان العالم إلى أكثر من 8 مليارات نسمة، يحتاجون إلى تأمين 4 مليارات طن سنوياً من الطعام.

لا يمكن لأي خبير اقتصادي أن يلخص قصة الحرب الروسية الأوكرانية، دون أن يتعرض إلى نموذج محطة حبوب نيبولون، فما حدث لهذه الشركة العملاقة يشرح المأساة بوضوح، وذلك عبر المقارنة بين ماضيها المفعم بمئات الملايين من الأرباح، وحاضرها المكبل بالديون، فقد كانت تشغل 6 آلاف موظف، مع رسوم شحن منخفضة تصل إلى 5 دولارات للطن، لكن، الغزو الروسي رفع تكاليف النقل لأكثر من 150 دولاراً للطن، وبينما كانت الشركة منهمكة في بناء الصوامع، وتشييد الطرق، وبناء أسطول بحري مكون من 82 سفينة مصنوعة من الفولاذ الأوكراني، توقف كل شيء تماماً مع اندلاع الحرب، لأن الروس دمروا الموانئ، وعطلوا تدفق الحبوب، مما وضع الصادرات في مهب الريح، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي تكفلت الشركة بالخدمات اللوجستية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الأوكراني، ليصبح سلة خبز العالم، والآن أصبح سلة خبز مع إيقاف التنفيذ بسبب التدمير المتعمد للقطاعات التصديرية بالكامل.

يتحدث الغرب كثيرًا عن معاناة الأوكران، لكنه، يغفو عن معاناة الشركات، بالرغم من أن الحفاظ على تماسك هذه الشركات أمر حيوي في أي اقتصاد مزدهر، والواقع، أن الشركات الزراعية ومزارع الدواجن تعاني هناك معاناة شديدة وتتخلف عن السداد، وعلى سبيل المثال، فإن شركة نيبولون زعيمة قطاع الحبوب مدينة بحوالي 570 مليون دولار لـ26 دائنًا غربياً وأوكرانياً، وتوقفت عن الدفع لمقرضيها الدوليين منذ شهور، والمشكلة الأخرى تكمن في توفير الوظائف، حيث يوجد 5 ملايين عاطل، بينما أجبرت الحرب آخرين على تغيير وظائفهم، بينما لا تزال الشركات تكافح للتكيف عبر بناء منازل متنقلة لإيواء العمال الذين فقدوا منازلهم، والأكثر مأساوية، أن كل شهر حرب يتطلب سنة كاملة لإزالة الألغام، وهذا يعني أن عملية إزالة الألغام ستستغرق أكثر من 10 سنوات، وهذه أخطر مهمة مستقبلية تواجه الشركات الأوكرانية.

مع ذلك، يمكن للاقتصاد الأوكراني أن يتعافى بشكل تدريجي شريطة إنهاء الحرب وعودة التصدير، وحتى هذه اللحظة الفارقة، تظل المساعدات المالية هي الرئة التي يتنفس بها الاقتصاد، وكذلك الأمر بالنسبة للشركات، حيث يبقى رأس المال جباناً في وقت حرب، إلا أن هناك فرصة للاستثمار في الأزمات، فالأصول الأوكرانية رخيصة جدًا، لكن بالرغم من التعاطف الشديد مع الأوكران، إلا أن تدفق الاستثمارات مرهون بإنهاء الحرب المدمرة، بينما يعتمد مستقبل الشركات الزراعية إلى حد كبير على ممر الحبوب المجمد حالياً، حيث يمكن للشركات تمويل نفسها بنفسها إذا حققت مستوى جيد من الصادرات، ولهذا تفضل الشركات الاستمرار في دفع الرواتب على التسريح، وإذا تمكنت من جدولة الديون، وتوافرت السيولة، فإنه يمكن للشركات تمويل محصول العام المقبل، وتجنيب المزارعين خطر الإفلاس، وسينمو الإنتاج الغذائي، وستحتاج أوكرانيا إلى مساعدات أقل، وسيحصل المستهلكون على غذاء أرخص.