قرار خطير، اتخذته روسيا هذا الأسبوع بتعليق اتفاق تصدير الحبوب من موانئ أوكرانيا، الأمر الذي يفاقم المخاوف بشأن إمدادات السلع الأساسية، ويطلق حالة من الغموض بشأن إمكانية السيطرة على التضخم، وإذا كان البعض يعتبر القرار الروسي مفاجئاً، لأن موسكو تصدر قمحاً أكثر ثلاث مرات من كييف، فإن الأمر المهم لنا كمستهلكين، هو عدم ارتفاع الأسعار، لأن البلدين المتحاربين يعدان مصدراً رئيسياً للذرة والقمح، بخلاف الزيوت واللحوم واليوريا وغيرها، ولهذا، ينبغي عدم الزج بغذاء العالم في خضم حرب أيدولوجية وتجارية أوسع بين كوكتيل من القوى الكبرى، وليس سراً أن السوق كانت تتوقع نهاية درامية لهذا التلاعب، منذ دأبت موسكو على التهديد بإنهائه، ولهذا، استعد المستوردون عبر ملء مخازنهم بسخاء نادر.

السؤال الآن: ما السيناريوهات المتوقعة جراء إنهاء اتفاق الحبوب؟ الواقع أن التجميد يفتح الباب على مصراعيه أمام تصعيد الحرب المشتعلة أصلاً، فلربما تواجه روسيا هجمات انتقامية على بنيتها التحتية للتصدير أو السفن التجارية، وهذا الأمر كفيل بإشعال مرافئ تصدير جميع السلع في البحر الأسود، وهي مقامرة روسية تمتطي ظهر نظرية البجعة السوداء، وهي نظرية تشير إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث المفاجئة، وتستند على الفكرة السائدة بأن البجع كله أبيض، أما البجع الأسود فهو نادر ومفاجئ، والاحتمال الأكبر الآن، أنه إذا فشلت أوكرانيا في تصدير منتجاتها عبر البحر الأسود، فسوف تعمد إلى استهداف السفن التجارية الروسية، كجزء من رد انتقامي على تعطيل صادرات أوكرانية تدر سنوياً حوالي 10 مليارات دولار.

سيكون لأي أعمال عدائية في المياه التجارية تداعيات خطيرة على أسواق الحبوب والنفط، والأسمدة، بالنظر إلى أن روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم، وأن ما يقرب من نصف صادراتها يتم نقله بحراً عبر البحر الأسود، وهذا سيؤثر قطعاً على أسواق السلع الأساسية والاقتصاد العالمي ككل، ولا نعتقد أن أي شركة تأمين بحري ستحاول اقتناص فرصة تمرير الحبوب عبر البحر الأسود باعتبارها مخاطرة مربحة، لأن تصدير القمح من بلد واحد أو بلدين، سيصبح ضرباً من الخيال، إذ سيكون مقيدًا بدرجة كبيرة جداً، إضافة لذلك، فإن روسيا تريد إرسال رسالة للغرب بأنها لن تقبل بالهزيمة، وأن أي شيء ذي قيمة تحتفظ به أوكرانيا في موانئها هو ملك لها، والوضع لن يتغير لصالح الأوكران إذا تم تأمين صادراتهم من المواد الغذائية.

لابد من تغليب صوت العقل، وروح التعاون الدولي في التعامل مع خبزة العالم، لأن تجميد ملايين الأطنان من الأغذية والمنتجات الزراعية سيؤذي الفقراء أولاً، خاصة، وأن الصفقة حققت فائدة عظيمة للكل، حيث انتعشت الصادرات والإيرادات، واستقرت الأسعار، بل إن روسيا المنسحبة الآن هي أكبر المستفيدين، لأنها باعت 52 مليون طن من الحبوب خلال عام الحرب، مقابل 35.6 مليون طن في العام السابق، أما أوكرانيا فقد صدرت 45.8 مليون طن خلال عام الحرب، مقابل 47.8 مليون طن في العام السابق، ومع ذلك، فإن مخاطر ارتفاع الأسعار لن يظهر تأثيرها في الدول الغنية إلا بشكل صامت ومتأخر، حيث استعد المشترون لهذا التعليق مبكراً عبر تطوير سلاسل إمدادات جديدة، وبناء مخزون قوي يكفيهم للخروج من العاصفة، ونعتقد أن هذه التطورات الدراماتيكية ستضيف حالة أخرى من عدم اليقين أمام البنوك المركزية وهي تحاول ترويض غول التضخم.