بدخول الذكاء الاصطناعي في حياتنا، نكون قد دخلنا إلى عصر اللامرئي والمعنوي بامتياز، فمنذ أن نشأت الحضارة الحديثة، ابتداء من الثورة الصناعية، كانت المخترعات التي تنتج ملموسة غالباً، ظاهرة للعيان، تُرى فيسهل إدراكها. إذا نظرنا حولنا اليوم، في عالمنا المشغول بتقنيات الاتصالات والمعلومات، تزيد مساحة اللامرئي والشفاف على حساب المرئي والمحسوس، بل يتعاظم دوره فيكاد يستبدلنا بقوة الذكاء الاصطناعي الخارقة.

إذا فتحنا أحشاء الذكاء الاصطناعي يوماً ما، ماذا سنجد؟ لن تمسك شيئاً طرياً يخفق أو ترى عجلة تدور في ترس صغير، أو رجالاً صغاراً يتحركون كالنمل في كل مكان. إذا بحثت حقاً، ستنتهي إلى نماذج رياضية تصف لك ما تبحث عنه لكنك لن تجدها كما تجد الأشياء الأخرى في حياتك، سيقال لك إن هذا نموذج لتعلم الآلة يعمل دون إشراف، وهو قادر على التعلم الذاتي بكفاءة عالية.

إذا تفحصت المسألة ملياً، ستجد نموذج تعلم الآلة مستودعاً في أسطر برمجية يقرؤها الحاسوب، كل سطر في البرنامج أمر للحاسوب بالتصرف بدقة على نحو محدد، كما لو كنت تقرأ وصفة لإعداد وليمة عشاء كبير. مهما حاولت رؤية النموذج يعمل أمامك كساعة سويسرية، فلن تجد طريقة لذلك ترضيك، فالنماذج البرمجية بأنواعها تعمل بعيداً عن الأنظار، في زاوية مظلمة من قبو سحيق.

يشكل على المبرمجين أحياناً ما لا يرونه من صناعتهم، سوى ما يثبتونه أقنعة من الواجهات التي يتحكم بها المستخدمون، وإذا خلعت الأقنعة فلن تجد وراءها شيئاً، وستعرف أن ما تبحث عنه ربما أبعد مما تظن، فهو يعمل في سحابة حاسوبية تبعد عنك آلاف الأميال. نموذج تعلم الآلة الذي تعرفت إلى صورته على الورق أو على شاشة الحاسوب، ليس خفياً عن الأنظار فحسب، إنما ليست له هوية فهو يستنسخ باستمرار،

هذا الذي تبحث عنه موجود في كل مكان وليس موجوداً في أي مكان في الوقت ذاته، يمسك بتلابيب العالم ويحكم قبضته شيئاً فشيئاًَ، فليس غريباً إن فزع منه حتى أقرب الناس إليه عندما بدأ في الحديث مثلنا، إنه الشبح الذي عاش مختبئاً في الآلة خرج من قمقمه أخيراً، ورغم كل ما نعرف، لا يبدو أننا نعرف ما يكفي، هل يمكن لأحلامنا التي نصنعها بأيدينا أن تتحول كوابيس تطاردنا في الليالي الموحشة؟

لعل الغموض الذي يحيط بالآلة التي تعلمنا أن نتعايش معه بحكم العادة أصبح مصدراً حقيقياً للقلق. دعوات التحذير التي تأتي وتذهب في موجات مستمرة جاءت لأننا صنعنا شيئاً لا مثيل له في التاريخ، شيء يفهمنا ولا نفهمه، يتكلم كواحد منا وهو ليس كذلك، نعرف من أين يبدأ لكننا لا ندري أين ينتهي. يبدو الأمر لي أن العالم يمسك بيده القابس الكهربائي لكل ما يجري، منتظراً اللحظة المناسبة ليفصله حتى يبدأ من جديد.