يبدو أن المملكة قريبة جداً من مواجهة حاسمة مع آفة هدر الطعام، وذلك، عبر تصويت مرتقب في مجلس الشورى حول تشريع يكافح هذه الظاهرة الغريبة، فليس من المقبول، أن تبقى السعودية، وهى قبلة المسلمين، في صدارة ترتيب الدول الأكثر هدراً للطعام في منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي تزداد فيه أعداد الجوعى والفقراء في عصر التضخم، ونعتقد أن إصدار تشريع صارم في هذا الاتجاه سيحقق ثلاثة مكاسب أساسية، الأول توفير الغذاء للاستهلاك البشري، وخاصة للفقراء والمحتاجين، والثاني حماية البيئة من الآثار السلبية للنفايات، وهو أمر يتسق تماماً مع مبادرة السعودية الخضراء، والثالث مساعدة الشركات والمستهلكين على توفير مليارات ضائعة تقارب 50 مليار ريال سنوياً، وهناك مساع لخفض هذا الرقم بنهاية العقد الحالي إلى 20 مليار ريال سنوياً.

يشكل إهدار الطعام تهديداً كبيراً على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وللتوضيح أكثر، دعونا نضرب المثل بأكبر كتلتين عالميتين في الإهدار، أوروبا وأمريكا، ففي الاتحاد الأوروبي، يتم التخلص سنوياً من 59 مليون طن من نفايات المواد الغذائية (131 كجم/ نصيب الفرد)، وهو ما يمثل خسارة سنوية بنحو 132 مليار يورو، فيما يعجز 32 مليون أوروبي عن شراء وجبة غذائية متكاملة كل يومين، وتمثل هذه النفايات 16٪ من إجمالي الانبعاثات الكربونية في الاتحاد الأوروبي، مما يضع عبئاً استثنائياً على استخدام الأراضي الزراعية والمياه، أما في الولايات المتحدة، التي تهدر سنوياً 40 % من طعامها، أي حوالي 160 مليار رطل، فإن هذه الآفة المزمنة تكبدها خسارة سنوية بحوالي 218 مليار دولار، وهذا الأمر يكلف الأمريكي سنوياً 1800 دولار، في الوقت الذي يعاني فيه 12 % من الأسر من انعدام الأمن الغذائي، ولهذا، تستهدف الحكومة الفيدرالية خفض الهدر بنسبة 50 % بحلول 2030.

يتسق التوجه السعودي في مواجهة الإهدار مع الالتزام الدولي بتحقيق الهدف الثاني عشر، البند الثالث، من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، والذي ينص على خفض نصيب الفرد بمقدار النصف من نفايات الطعام في أماكن البيع بالتجزئة والمستهلكين بنهاية عام 2030، ولإنجاز هذه المهمة العسيرة، فإننا نعتقد، أن هناك حاجة ماسة لقياس هدر الطعام بشكل علمي، وذلك عبر إعداد تقارير شاملة ودقيقة حول خسائر الغذاء لتوصيف المشكلة وقياسها، وتحديد فرص تدوير النفايات، ووضع معايير قياس مستويات التقدم في مكافحة هذه الآفة، وإذا كانت أزمة تكاليف المعيشة هي حديث الصباح والمساء في كل المنتديات الاقتصادية العالمية اليوم، فإنه علينا كمستهلكين، تحديد طرق توفير المال، ويؤسفني، أن أقول، وبدون مبالغة، أن إهدار الطعام يعني أننا لا زالنا مصرين على إلقاء الأموال يومياً في سلة المهملات، دون أن ننتبه إلى أن التكلفة السنوية التي نتحملها جراء الوجبات المهدرة تشكل جزءاً معتبراً من فواتيرنا للكهرباء والماء والاتصالات والإنترنت.

أرجو أن يضع التشريع السعودي المرتقب حداً للظاهرة المتأصلة، فمنذ نعومة أظافرنا، ونحن نشاهد في العزائم والأفراح والمناسبات المختلفة، إهدار الطعام بسفه يرثى له، ولا زال الكثيرون يحتفظون بمقاطع تصور حجم التبذير اللامعقول في هذه الفعاليات، فبعض الطعام يفيض عن الحاجة بدافع المظهرية، حتى لكأن هذا المهدر يبكي من مغادرة الدنيا دون أن يحظى بشرف تقديمه على مائدة تحتاجه.. هذا في الوقت الذي تتعرض فيه معظم الأسر لضغوط مالية جراء ارتفاع تكاليف المعيشة، مما يجعل من الهدر مسألة أكثر مأساوية، والحقيقة، أن السيطرة على نفايات الطعام يمكن أن تبدأ بتغييرات صغيرة في نمط الحياة للمستهلكين، وذلك مثل تدوين خطة للوجبات اليومية، أو إعداد قائمة للتسوق من المراكز التجارية، وشراء الاحتياجات المطلوبة فقط، والبعد عن الإسراف في التخزين وملء عربات التسوق بشكل عبثي، أو حتى التحقق من ضبط الثلاجة على درجة حرارة مناسبة حتى تحمي الأطعمة من الفساد.