من المطاردة بالشر أن يسعى الإنسان في تكدير الصفاء بين اثنين بنقل الكلام بينهما، فهو بهذا الصنيع يحاول أن يسلب كلاً منهما منحة من العافية كان يتمتع بها، وهكذا من حاول أن يُطلِع غيره على ما يتضرر بالاطلاع عليه في دينه ودنياه من أفكار هدامة وتوجهات متطرفة، ومحتوى غير لائق أو غير ذي جدوى..

البعد عن الشرور حسيها ومعنويها مطلبٌ سامٍ، ويتجسد فيه درء المفسدةِ الذي هو من مقاصد الشرع، سواء ما تعلق من ذلك بالسعادة في الأخرى وما يتعلق بالسلامة في الدنيا، وتتفاوت مراتبه؛ إذ أعلاها توقي الشرك بالله تعالى، وأدناها مجانبة أدنى المشوشات التي لو حصلت لم تجلب نكاية وإن نغصت بعض الارتياح، واللائق بالعاقل أن يسعى ليبعد الناس عن الشرور، ويبذل في ذلك جهده وطاقته، وهكذا يصنع الموفقون -وكثير ما هم- لكن من الناس صنف لا يهمه ابتعاد الناس عن الشر، ولم يكتفِ بعدم الاهتمام بهذا الأمر المهم، ولو اكتفى به لأمكن أن يقال عنه: إنه ضنين بجهده ووقته، ولا تسخو نفسه ببذل الطاقة لوقاية غيره، لكن لم يكن ليستفيد من مثل هذا العذر؛ لأنه تخطى مرحلة الكف عن درء الشر إلى درجة ثانية من السلبية، وهي أشبه ما تكون بمطاردة الناس بالشرور، وذلك بمحاولة أن يُفوِّت السلامة والعافية التي يتمتع بها المتجافي عن الأسواء، فيرمي عليه ما أمكنه منها بأي طريقة، ولي مع مطاردة الناس بالشرور وقفات:

الأولى: هذه الظاهرة من قبيل إلقاء الأذى والأشواك في طريق الناس، بل ضررها أخطر من ضرر ما يُلقى في الطريق المحسوس، وذلك لأن الأضرار المحسوسة سطحية إذا قورنت بعمق الضرر المعنوي، كما أن علاج الأولى ميسور وعلاج الثانية معسور، ومن المطاردة بالشر أن يسعى الإنسان في تكدير الصفاء بين اثنين بنقل الكلام بينهما، فهو بهذا الصنيع يحاول أن يسلب كلاً منهما منحة من العافية كان يتمتع بها، وهكذا من حاول أن يُطلِع غيره على ما يتضرر بالاطلاع عليه في دينه ودنياه من أفكار هدامة وتوجهات متطرفة، ومحتوى غير لائق أو غير ذي جدوى، فالسلامة من كلّ واحد من هذه الأمور غنيمة، ومن لاحقه ليوقعه فيها فقد طارده بشرٍّ مستطير، ومن هذا القبيل إخبار الشخص بكل ما يتأذى بسماعه ولا يستفيد منه وليس من مصلحته أن يعلم به، وتناقل الإشاعات سواء كانت سيئة المحتوى على فرض صدقها؛ لما فيها من إدخال الرعب والغم على السامع، أو كان محتواها حسناً على فرض صدقها؛ لما في ذلك من احتمالية الاغترار بها والمجازفة بالنفس أو المال أو الوقت في سبيل نيل ما تضمنته.

الثانية: من المطاردة بالسوء تذكير الإنسان بماضٍ له يؤلمه بأي شكل من الأشكال، خصوصاً إذا كان قد تجاوز عقبته، وتلافى إشكالاته، وشق طريقه إلى المستقبل؛ لأن تذكيره به يحزُّ في نفسه ألماً لا يخلو من التأثر به، وقد يعرقل مضيه إلى الأمام، كما أن هذا السلوك العجيب لا يخلو من التعيير والتوبيخ على سيئة تبعتها حسنة، وهذا واجب المخطئ كما ورد في الحديث: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»، وإذا لبى المسلم هذا التوجيه رجونا له وعد الله بالنقاء كما قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، فمحاولة مطاردته بغلطته محاولة لإحياء شيء وعد الله ورسوله بإذهابه ومحوه، ومن أشنع هذا النوع تذكير المتصافيين بعد نفرة ووحشة بما حصل بينهما أثناء نشوب سوء التفاهم بينهما، وهذا جفاء وإفساد، ومن المطاردة بالشر ما يصنعه بعض المثرثرين من تقنيط المبتلى من الفرج وتزهيده في التمسك بالأمل والصمود أمام المحنة، وهذا من أخطرها، ويقع بعض الناس في شيء منه جهلاً أو غفلة، كالحديث بحضرة المريض عن فتك مرض معين وكثرة من يقضي نحبه بسببه، ونحو ذلك.

الثالثة: جميع ما تقدم من المطاردة بالشر سيئ، وأسوأ منه ما حصل على وجه عام بمطاردة مجتمع آمن وبلد مطمئن بما من شأنه أن يؤثر على سلمه وأمنه، وهذا دأب التنظيمات والأحزاب والدعوات الزائغة، ويتجلى جانب المطاردة بالسوء فيه من أن هؤلاء المشوشين إذا استجاب لهم الناس، وجروا على ما يوسوسون لهم سلبوهم كل خير، وجلبوا إليهم كل شر؛ وذلك لأن الأمن والعافية في الأهل إذا فُقدا فلا مغنم؛ ولذلك جُعِل وجودهما بمنزلة أن تُساق الدنيا إلى المرء كما في الحديث عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ طَعَامُ يَوْمٍ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِها» أخرجه الترمذي وحسنه، فعلى كل إنسان وعلى كل مجتمع أن ينتبه لمن يلاحقه ليرمي عليه شراً من الشرور، وأن يعي أن كل ملاحِق بالشرِّ يسلب المعافَى من عافيته بقدر تأثيره عليه، وأفضل درجات التوقي منه أن لا يسمع منه أصلاً، وأن لا تكون له وسيلة لإيصال ضرره، وأدناها أن يتخلص فوراً من الضرر الذي جلبه بلا أدنى تأخير.