ما يميز التقنية المعاصرة اليوم هو انفتاح نماذج الابتكار على العالم. كانت التقنية سابقاً مغلقة ووسائل الابتكار ذاتية، أما اليوم خصوصاً في تقنية المعلومات، فقد أصبح من المتعارف عليه فتح مصادر التقنيات للتداول الحر. لم يعد صعباً على أحد أن يطور أحدث التقنيات بوسائل محدودة، كتطوير برنامج للدردشة بالذكاء الاصطناعي التوليدي.

لنقل إنك بحاجة لتطوير برنامج محادثة جديد وتريد للغته أن تكون كلغة الجاحظ مثلاً. تحتاج أمرين: نموذجاً لغوياً وأعمال الجاحظ الكاملة، كلاهما متوفر بسهولة. يعمل النموذج اللغوي بالتخمين، حيث يحاول أن يجد الحرف المناسب أو الكلمة المناسبة بناء على الكلمة التي قبلها، وكلما وضع كلمة يقيمها مقارنة بمرجعية نصية سواء كانت من الإنترنت أو من مصدر آخر مهما كان صغيراً. إذا استخدم النموذج اللغوي أعمال الجاحظ الكاملة مثلاً، سيبني تقويمه لنفسه بناء على ترتيب الكلمات كما ترد في البيان والتبيين أو الحيوان، حتى يتعلم النموذج أسلوب الجاحظ ويبدأ في محاكاته.

في التمرين، يقارن النموذج اختياراته من الحروف والكلمات بنص مرجعي. في البدايات الأولى ستكون اختياراته عشوائية، سطر من الأحرف والأرقام والرموز التي لا تعني شيئاً إطلاقاً. مع وجود نص مرجعي، ولو كان صغيراً، سيبدأ البرنامج باكتشاف أمور مهمة: لا تمتزج الحروف بالأرقام، لا توجد كلمات أكثر من ستة أحرف، وهكذا. مع المراجعات والمحاولات المتكررة ينتج النموذج أسطراً تشبه النصوص المعروفة شكلياً، إنما لا تؤدي معنى مفيداً.

سيبحث النموذج عن أنماط متكررة ليعيد إنتاجها. سيتحسن البرنامج تدريجياً، حيث يركب جملاً لها بنية مشابهة للنص الأصلي وإن لم يُفهم معناها. سيتعلم مطالع الجمل ونهاياتها، مميزاً مواضع الأفعال والأسماء والمواضع التي تدخل فيها حروف الجر على الأسماء. سيكتشف مثلاً أن حروف الجر لا تأتي في نهاية الجملة وإن كانت تأتي في بداياتها. مع التمرين، ستزيد عدد الكلمات المسجلة في ذاكرة النموذج، والمواضع التي ترد فيها هذه الكلمات.

في غضون ساعة من التدريب وآلاف المحاولات (30 -50 ألف محاولة) سينتج النموذج جملاً سليمة متبعاً الأسلوب الذي تدرب عليه باعتبار المرجعية النصية. سيكون لدى النموذج القدرة على صياغة جمل سليمة لكنه بحاجة إلى نموذج آخر لقراءة النصوص للرد عليها، كما يجري في برامج المحادثة الآن.

الملاحظة التي وجدها مطورو النماذج اللغوية أن زيادة حجم المرجعية النصية والمحاولات إلى مليون ضعف يؤدي إلى نتائج مدهشة. سيجيب النموذج عن الأسئلة، ويكتب نصوصاً جديدة، ويلخص نصوصاً أخرى، مستمراً في إظهار قدرات جديدة لم يمتلكها من قبل. ما يثير قلق الباحثين أن حجم التدريب والبيانات لهما دور في ظهور خصائص مفاجئة. السؤال المحير هنا: أين يتوقف نمو هذه النماذج وما الحد الذي تخرج فيه عن السيطرة؟