كان بطل العالم الذي لم يهزم هو المرشح الأفضل لإثبات قدرات الذكاء الاصطناعي، كاسباروف الذي لعب مع نسخ مختلفة من حاسبات الشطرنج تغلب عليها كلها، كان يغذي هذه الحاسبات بما تحتاجه من معلومات للتغلب عليه، عندما هُزم (ديب بلو) في نسخته الأولى، أخذ الباحثون ما يستطيعون من تحليلات ليحسنوا من برنامجهم بانتظار فرصة أخرى.

كانت العلاقة بين مبرمجي (ديب بلو) والبرنامج نفسه تشبه علاقة اللاعب بمدربه، الذكاء الاصطناعي في برنامج (ديب بلو) ليس مستقلاً عن العقول التي صنعته، وإن بدا كذلك في ظاهر الأمر، كانت العيوب التي تظهر في منطق الحاسب الذي برمجه فريق من جامعة كارنيجي ميلون، تعدل بعد اللعبة، كانت بعض التعديلات مهمة وكان بعضها الآخر مثيراً للريبة.

عندما لعب كاسباروف مع (ديب بلو) مرة أخرى في العام 1997، بذل فريق المبرمجين جهوداً كبيرة لتحسين البرنامج، فقد أضيفت له خصائص جديدة كان لها دور في فوزه هذه المرة، لم تسعف كاسباروف خبرته في اللعب مع البرنامج، حيث أربكته خصائص البرنامج الجديدة وأفسدت عليه تركيزه.

عندما نقل البرنامج القلعة من الصف الخامس إلى الصف الأول، لم يستطع كاسباروف فهم النقلة، فوقع في حيرة منها، غرق كاسباروف مفكراً بحثاً عن معنى لهذه النقلة، لكنه لم يخرج بنتيجة، لم يكن مستعداً لقبول أن البرنامج أخطأ، لأن ذلك سيدخله في دوامة من الاحتمالات لكل نقلة جديدة، إذا لم يستطع بطل العالم وأفضل لاعب في التاريخ أن يفسر نقلات البرنامج، فلا بد أن البرنامج بلغ درجة من العمق بحيث يصعب قراءة نقلاته.

لم يكن لنقلة القلعة تأثير على سير اللعبة، فقد فاز كاسباروف في نهاية الأمر، لكنه كان مهزوزاً هذه المرة، تكرر الأمر في اللعبة الثانية، فقد نقل البرنامج البيدق رغم أن الحركة المتوقعة هي نقل الوزير، ارتبك كاسباروف ودخل في دوامة تفكير جديدة حتى وجد نفسه في موقف ضعيف يبحث عن التعادل، لكنه هزم هذه المرة.

الذي لم يكن يعرفه كاسباروف، أن مبرمجي (ديب بلو) أضافوا خاصية تمنع البرنامج من الدخول في دوامة نتيجة علة برمجية، فإذا ظهرت العلة، تصرف البرنامج بتنفيذ نقلة عشوائية، النقلات العشوائية التي أربكت كاسباروف، أدخلته في دوامة شبيهة بالتي يدخلها البرنامج، كما لو انتقلت العلة بالعدوى، إنما لم يكن لديه ما يخرجه من دوامته هو.

كانت الدعاية تسوق لعهد جديد تتفوق فيه الآلة على الإنسان، إنما للناظر بتمعن، لم تكن المسافة الفاصلة بين الإنسان والآلة في حالة (ديب بلو) كبيرة، فلم يكن مستقلاً تماماً، حيث ظل المبرمجون يعيدون بناء البرنامج مرة بعد مرة حتى بلغ ما بلغ، فهل فاز برنامج الذكاء الاصطناعي حقاً كما يفوز عداء الماراثون، أم أن الإنسان هو الذي فاز كما يفوز سائق الفورمولا؟