لا أدري إن كان هذا حقيقيًا أم لا لكن النساء أكثر شاعرية من الرجال، أعني في كتاباتهن بالطبع، هناك شيء ما، نكهة مميزة، سمة تطغى يمكنك بها معرفة فورًا أن اليد التي حملت هذا القلم وخطت تلك الكلمات إنما هي لامرأة! ولا أعني بالشاعرية، الشعر ذو القافية المنمقة والأصوات الجرسية الموزونة بل ما أقصده أثر لحالة أثيرية ما، نوع من النثر المنتظم الذي يعتريه تخبط وبعثرة تعكسان فوران يمور في النفوس البشرية وتفضح ضعفها وعثراتها وتيهها!

هكذا بمجرد قراءتي الأسطر الأولى من رواية "فتاة القطار" انتابني إحساس أكيد أن هذه امرأة وهو إحساس ازداد يقينًا بمرور الصفحات بين يدي، حتى بعد قراءتي الخاطئة لاسم الكاتب في البداية، ولما أردت الاستيقان عدت لغلاف الكتاب لأقرأ الاسم صحيحًا هذه المرة "باولا هاوكينز"، "باولا" وليس "باول"، لعل سحر أسلوبها وقدرتها الفائقة على نقل العجز والحيرة والضياع الذي يعتري بطلاتها يصل درجة تكاد تصيبك أنت البعيد باكتئابهن وتُشعرك بخواء روحي فظيع، وأرفع عيني عن الكلمات المطبوعة لأطمئن أنني أنا لا زلتُ أنا وأن جدران المطبخ كما هي وأصوات اليمام القريبة كما هي، وأجد نفسي - كعادتي كلما قرأت سير حياة ذاتية لأناس الغرب - أحمد خالقي أن ولدتُ على الإسلام!

الكحوليات، نوبات الذعر المفاجئة، الفراغ الخانق الذي يمتد طويلًا بلا انتهاء ليبتلع اليوم وغدًا وأعمارًا بأكملها، الوحدة، والمصائب التي تُرديك قتيلًا يتنفس وتمكث على إثر ويلاتها وخيباتها دهرًا تتخبط وتتلوى وتتذكر وتتوجع، هكذا كان محور رواية فتاة القطار، ثلاث نساء يكتبن يومياتهن، قد تبدو كل واحدة بعيدة عن الأخرى لا علاقة لها بها، لكن ما هي إلا بضع صفحات حتى تكتشف توحد مصائرهن وتشابكها وتلاقيها، وفي كل القصص كانت القطارات هناك، فهي إما مرئية على الدوام من نوافذ منزل ميغان تعدو طوال الوقت ويعلو صوت هديرها متوقفة أو عابرة، وإما تستقلها جيئةً وذهابًا رايتشل وتمكث في عرباتها تبحلق في وجوه المسافرين الملولة أو تحدق لساعات في أشعة الشمس التي تكسو أسطح المنازل وتلمح من علٍّ ميغان تحتسي مشروبًا ساخنًا في شرفة بيتها، كانت هذه اللمحة الخاطفة هي كل ما يربط الفتاتين ببعضهما، ميغان زوجة تحب زوجها لكن رأسها مسكون بالعربدة وأشباح الماضي وأصوات صاخبة لا تهدأ أيدًا، أما رايتشل فقد انفصلت عن زوجها، وراقبته يمضي سعيدًا إلى المرأة التي تليها في حين بقيت هي عالقة، لا تعلم طريقة للمضي إلى الأمام، لا تعلم طريقة للنسيان وتخطي الوجع، وهكذا تقضي الكحوليات على ما بقي لها من عقل ويقظة، وفي يوم من الأيام تختفي ميغان فجأة، ويبرز لغز مثير لرايتشل ولأول مرة منذ سنيتن تعثر على شرارة توقد الحياة ولهيب الشغف في قلبها مجددًا وتحثها حثًا على ترك عادة الشرب الآثمة تلك.

لكن المفاجآت كانت بانتظار رايتشل والحقائق آخذة بالانهمار عليها مغيرة عالمها للأبد، وتبدأ الفجوات المظلمة في ذاكرتها بالاتضاح شيئًا فشيئًا ويتسلل النور إليها لتكتشف كم خُدعت وكم كُذب عليها وكم عانت كثيرًا دون حتى أن تعرف أنها كانت تعاني! فحالة الثمل التي كانت تكون فيها قد سرقت منها آدميتها وقدرتها على تذكر الأحداث التي جرت خلالها، وهكذا حينما تستفيق صباحًا وينبئها زوجها بما فعلتْ لم يكن الشك ليعتريها في صدقه قط، لم تكن تُحس سوى الذنب والندم المألوفين، وعندما قررت أخيرًا ترك هذه العادة الكريهة تتذكر، تتذكر كم كذب عليها،تتذكر سبب شعورها بالخوف دائمًا إثر استيقاظها وكأن ما حدث حقيقة أمر مهول يثير رعبها!، وعبر طريقة سرد اليوميات المشوقة للغاية والتي تشبه كتابات شخصية رتوش مبعثرة وحديث نفسي مشتت تُميط باولا هاوكينز اللثام عن حقائق القصة وتَعرف رايتشل أخيرًا بأنها الضحية، وميغان أيضًا، لكن الفرق بينهما أنها ما ارتكبت يومًا ذنبًا وأنها نجت من محاولة القتل التي راحت ضحيتها ميغان!ليكون ذلك الاكتشاف المضيء نقطة تحول في حياتها ودافعًا أعظم من أي دافع آخر لمواصلة الانطلاق نحو الغد المشرق دون إحساس بالذنب ودون حاجة للثمالة.

قيل عن هذه الرواية إنها تشبه القطار، تندفع أحداثها جريًا وتندفع أنت معها، غير قادر على التوقف أو عن فعل أي شيء آخر عدا الانزلاق معها حتى آخر كلمة، رواية مثيرة ومشوقة بكل ما للكلمة من معنى، وحُولت الرواية مرتين لتجسد في أفلام سنمائيا، أولها عام "2016" من بطولة الرائعة إيملي بلونت حيث نجحت لأبعد حد في تقمص شخصية رايتشل الحائرة الخائفة لكن المصممة بعناد على كشف الحقيقة وبرغم أن الفيلم حصد الكثير في شباك التذاكر لكن دورها ظل هو الأبرز حيث ترشحت للعديد من الجوائز عنه، والثاني كان فيلمًا هنديًا من إنتاج نتفليكس، من بطولة بارنيتي شوبرا.