أعربت تشه شيويه لينغ، المديرة العامة لإحدى شركات التصدير في مدينة هورغوس، تلك المدينة الحدودية في شينجيانغ التي كانت في السابق مركزاً تجارياً على امتداد المسار الشمالي لطريق الحرير القديم، عن سعادتها بالتغيرات العميقة التي تشهدها المدينة وأعمالها التجارية.

تتذكر تشه أنه “في السنوات السابقة كنا نصدر سلعاً متنوعة عبر الطرق الترابية”، مستدركة أنه في السنوات القليلة الماضية، تغيرت الأوضاع بفضل التعاون المزدهر بين الصين وآسيا الوسطى وتحسين التخليص الجمركي والإجراءات المبسطة. وقالت: “الآن يجري تصدير جميع أنواع المركبات صينية الصنع إلى دول آسيا الوسطى عبر الطريق المعبد الواسع في الميناء”.

في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، صدّرت شركة تشه أكثر من 1000 مركبة تجارية تبلغ قيمتها حوالي 30 مليون دولار أمريكي. في غضون ذلك، في الربع الأول، تعامل ميناء هورغوس مع 1833 قطار شحن يربط الصين بدول أوروبا وآسيا الوسطى، مسجلاً زيادة قياسية بلغت 8.4 بالمئة على أساس سنوي.

يجسد نمو هورغوس وازدهار أعمال تشه العلاقات الوثيقة بين الصين ودول آسيا الوسطى الخمس، وهي كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، تلك الدول التي مر عبرها طريق الحرير القديم.

وعبر الجهود المشتركة للصين ودول آسيا الوسطى الخمس على مدار السنوات الماضية، لا سيما منذ عام 2013 عندما اقترحت الصين مبادرة الحزام والطريق، تم إحياء الطريق التجاري القديم الذي جسد روح التعاون والتعلم المتبادل والمنفعة المتبادلة، ونما الطريق ليصبح طريقاً تنموياً مشتركاً يعود بفوائد ملموسة على المنطقة والعالم بأسره.

إحياء طريق الحرير القديم

على مدار التاريخ، كان طريق الحرير ممراً حيوياً يربط بين الشرق والغرب منذ حوالي 2000 عام. اشتق الطريق اسمه من التجارة المربحة في الحرير الصيني على طوله. قبل عشر سنوات، خلال زيارته إلى كازاخستان، اقترح الرئيس الصيني شي جين بينغ أن تتكاتف الصين ودول آسيا الوسطى لبناء حزام اقتصادي لطريق الحرير، من أجل تعزيز التعاون.

وقال شي أثناء إلقائه كلمة رئيسية في قمة الصين-آسيا الوسطى التي عقدت في مدينة شيآن بمقاطعة شنشي شمال غربي الصين إنه “من المهم أن نستمر في تحديد وتيرة تعاون الحزام والطريق وتنفيذ مبادرة التنمية العالمية. وعلينا أن نطلق العنان لإمكاناتنا بشكل كامل في مجالات التعاون التقليدية مثل الاقتصاد والتجارة والقدرة الصناعية والطاقة والنقل. ويتعين علينا صياغة محركات جديدة للنمو في مجالات التمويل والزراعة والحد من الفقر والتنمية الخضراء ومنخفضة الكربون والخدمات الطبية والصحة والابتكار الرقمي. كما يجب أن نعمل معاً لضمان أن يتسم مجتمعنا بالتعاون المربح للجميع والتقدم المشترك”.

ساعدت رؤى شي الملهمة وتوجيهاته الإستراتيجية على تنشيط الطريق القديم وضخت زخماً في التعاون بين الصين وآسيا الوسطى.

وعلى مدى العقد الماضي، حافظت التجارة بين الصين ودول آسيا الوسطى الخمس على زخم نمو قوي. أظهرت أحدث الأرقام الرسمية أن التجارة بين الجانبين وصلت العام الماضي إلى مستوى تاريخي بلغ 70.2 مليار دولار أمريكي. في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، ارتفعت التجارة بين الجانبين بنسبة 22 بالمئة على أساس سنوي.

تعتبر الزراعة مجالاً رئيسياً للتعاون بين الصين ودول آسيا الوسطى. دخلت مجموعة كبيرة ومتنوعة من المنتجات الزراعية من دول آسيا الوسطى إلى السوق الصينية، منها حليب الإبل من كازاخستان، والعسل من قرغيزستان، والفواكه المجففة من طاجيكستان، والقطن من تركمانستان، والكرز من أوزبكستان. في العام الماضي، قفزت واردات الصين من المنتجات الزراعية ومنتجات الطاقة والمعادن من هذه البلدان بأكثر من 50 بالمئة.

تعد دول آسيا الوسطى أيضاً مورداً مهماً للطاقة إلى الصين. تسلمت الصين 30 بالمئة من وارداتها من الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب الصين -آسيا الوسطى في عام 2022.

بالإضافة إلى مجالات التعاون التقليدية هذه، تعمل الصين ودول آسيا الوسطى معاً لتعزيز أنماط جديدة في التجارة والاستثمار، مع إعطاء الأولوية للابتكار والتنمية الخضراء.

مقصط أبيلجازيف، 33 عاماً، كازاخستاني ولد ونشأ في زاناتاس، وهي بلدة متداعية في جنوبي البلاد كانت ذات يوم مركزا مزدهرا لاستخراج الفوسفات وإنتاج الأسمدة.

ترك أبيلجازيف وظيفته في الهندسة الإلكترونية في منجم فوسفات محلي عام 2020 وأصبح متدرباً في مجال هندسة طاقة الرياح في مزرعة زاناتاس لطاقة الرياح التي بنتها الصين، وهي واحدة من أكبر المزارع من نوعها في آسيا الوسطى.

قال أبيلجازيف الذي زاد دخله بأكثر من الضعفين في ثلاث سنوات “لقد جلب أصدقاؤنا الصينيون المعدات والاستثمار والتكنولوجيا والخبرة إلى كازاخستان. كما قاموا بتنمية مواهب الطاقة النظيفة في بلادنا. وقد خلقت مشاريع طاقة الرياح فرص عمل وعائدات ضريبية لزاناتاس، ما أعاد الحياة للمدينة”.

وفي غضون ذلك، عززت التكنولوجيا الحديثة التجارة بين الصين ودول آسيا الوسطى. كشفت الأرقام الرسمية أنه في عام 2022، زادت التجارة الإلكترونية عبر الحدود بين الجانبين بنسبة 95 بالمئة على أساس سنوي، حيث تبيع ما يقرب من 300 شركة في آسيا الوسطى منتجات عالية الجودة على منصات التجارة الإلكترونية الصينية.

الارتباطية المعززة

أُطلق أول مسار لرحلات الركاب الجوية بين شيآن وعشق أباد، عاصمة تركمانستان، رسمياً.

قالت جولشادا أورازالييفا، محللة أوزبكية مستقلة: إن تدشين الرحلات الجوية بين مدينة شيآن ومدن آسيا الوسطى له أهمية كبيرة، حيث إن هذه الرحلات ستعزز التبادلات الاقتصادية والثقافية بين الصين والمنطقة.

وشدد شي في القمة على أن العالم يحتاج إلى ارتباطية آسيا الوسطى، مضيفاً أن آسيا الوسطى تتمتع بمزايا جغرافية فريدة، ما يوفر لها الأساس الصحيح والظروف الملائمة والقدرة لكي تصبح مركزاً هاماً للارتباطية في أوراسيا وتقدم مساهمات فريدة في تجارة السلع وتفاعل الحضارات وتنمية العلوم والتكنولوجيا في العالم.

وفضلاً عن تدشين المزيد من الرحلات الجوية المباشرة لربط المدن في الجانبين، قامت الصين ودول آسيا الوسطى أيضاً بتخطيط وتنفيذ العديد من مشاريع البنية التحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق.

في سبتمبر 2022، وقعت الصين وقرغيزستان وأوزبكستان مذكرة تفاهم بشأن التعاون في القطاع القرغيزي من خط سكة حديد الصين-قرغيزستان-أوزبكستان، ما أحرز تقدماً كبيراً في تشييد ممر نقل في القارة الأوروآسيوية.

من ناحية أخرى، فُتح الباب أمام دول آسيا الوسطى لدخول الأسواق العالمية بفضل قطارات الشحن بين الصين وأوروبا عبر آسيا الوسطى، ومركز هورغوس الدولي للتعاون الحدودي بين الصين وكازاخستان، وقاعدة اللوجستيات الدولية بين الصين وكازاخستان في ميناء ليانيونقانغ شرقي الصين.

عززت تلك المشاريع الأنشطة التجارية بين الدول الست وعملت على تقريب الشعوب التي تعيش في المنطقة من خلال التبادلات الثقافية والشعبية. في الوقت الحالي، هناك خمسة معاهد كونفوشيوس جرى إنشاؤها في كازاخستان تقدم تدريباً على تعلم اللغة الصينية لأكثر من 3000 شخص كل عام، بينما فتحت أربع جامعات في الصين معاهد للدراسات الكازاخستانية وأضافت اثنتان منها اللغة الكازاخستانية كتخصص دراسي. بحلول نهاية عام 2021، بلغ العدد التراكمي للطلاب الدوليين من الدول الست الذين يدرسون في بلدان بعضهم البعض 15100 طالب.

من الأمثلة الأخرى على التبادلات الشعبية بين الصين وآسيا الوسطى إقامة ورشة لوبان في دوشنبه، وهي ورشة مهنية صينية تقدم برنامجاً لتدريب المواهب في طاجيكستان. تعد الورشة، التي دخلت الخدمة رسمياً في نوفمبر 2022، الأولى من نوعها في آسيا الوسطى.

قال شهريور سادولوزودا، نائب رئيس الجامعة التقنية الطاجيكية “ورشة لوبان الصينية معترف بها كعلامة تجارية دولية للتعليم المهني في جميع أنحاء العالم. نعتقد أن ورشة لوبان ستساعد بشكل كبير الجامعة التقنية الطاجيكية في تدريب المواهب في مجالات القياس والطاقة الخضراء والتدفئة”.

نحو مستقبل مشترك

بالنسبة للقرويين الذين يعيشون في قرية تسمى كارا-أوي، تقع على الشاطئ الشمالي لبحيرة إيسيك-كول في قرغيزستان، كان الري مشكلة تؤرقهم. لم يستطع نظام الري القديم الذي تم بناؤه منذ عقود تلبية الطلب المتزايد على المياه.

قال يفجيني ياكوفليف، مزارع يحتاج إلى ري حقله ثلاث مرات يومياً على الأقل في الصيف، “المياه لا تكفي. في ظل استمرار اصطفاف المزارعين حتى يحين دور كل منهم في الري، من الصعب للغاية الحصول على المياه في الوقت المناسب”.

لأجل حل مشكلة المياه في كارا-أوي والقرى الأخرى المشابهة لها في ظروف الري الصعبة، بدأت حكومة قرغيزستان مشروعاً في مايو 2018 بتمويل من منحة صينية لإعادة بناء نظام الري في البلاد.

وفي إطار المشروع، بنت شركة المجموعة الصينية المحدودة لهندسة السكك الحديدية رقم 5 خزاناً في كارا-أوي بسعة 470 ألف متر مكعب من المياه، ما ساعد على زراعة إجمالي 330 هكتاراً من الأراضي البور، وزيادة إمدادات المياه على مساحة تزيد على 1000 هكتار.

وقال أرستانبيك زوندوباييف، رئيس جمعية مستخدمي المياه في كارا-أوي، “قبل بناء الخزان، كان الأمر صعباً للغاية فيما يتعلق بالمياه ... الآن بات الأمر أفضل. نحن ممتنون لبناة الخزان”.

الوقائع المثيرة للمشاعر مثل تلك المذكورة أعلاه شكلت سيمفونية رائعة يتبادل فيها الشعب الصيني وشعوب دول آسيا الوسطى الدعم لتحقيق الرخاء المشترك وتحقيق مستقبل أكثر إشراقاً.

قال كوبانيشبيك تابالديف، عالم السياسة القرغيزي وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة ألا تو الدولية، إن آسيا الوسطى متاخمة جغرافياً للصين ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بها أيضاً، لاسيما في مجالات الاقتصاد والتجارة والتمويل والائتمان.

وذكر أن “آسيا الوسطى تقع على طول طريق الحرير القديم، وقد شاركت جميع دول المنطقة في مبادرة الحزام والطريق بطرق مختلفة”. وأضاف أن “جميع دول منطقة آسيا الوسطى تنفذ مشاريع ثنائية مع الصين تعود بالنفع على جميع الأطراف”.

وقال تيمور كوفاتوف، المدير العام ورئيس تحرير وكالة أنباء ((كازاخستان اليوم))، إن مبادرة الحزام والطريق كانت مثمرة للغاية منذ اقترحتها الصين لأول مرة في كازاخستان.

وقال إن إحياء الرؤى والأرواح المتجسدة في طريق الحرير القديم سيعزز التنمية الدولية والعلاقات التجارية والاقتصادية، فضلاً عن العلاقات السلمية بين الدول، مضيفاً أن تعميق التعاون في إطار الحزام والطريق له أهمية كبيرة لجميع الشعوب التي تعيش في المنطقة والعالم كله.

وقال شي في القمة “دعونا نعمل معاً بشكل وثيق لتحقيق التنمية المشتركة، والثراء المشترك، والازدهار المشترك، ونعانق مستقبلاً أكثر إشراقاً لدولنا الست!”.

الصورة الملتقطة أول مايو 2023 تظهر مشهد معبد الأوز البري العملاق في شيآن، حاضرة مقاطعة شنشي شمال غربي الصين. (شينخوا)
مضيفات الطيران يتحققن من إجراءات السلامة قبيل إقلاع أول رحلة ركاب على مسار شيآن-أورومتشي-عشق آباد في شيآن، حاضرة مقاطعة شنشي شمال غربي الصين يوم 13 مايو 2023. (شينخوا)
قطار شحن صيني-أوروبي مُحمل بمواد خام لعرق السوس، عشب طبي صيني تقليدي، المُغادر من تركمانستان، يصل إلى ميناء شيآن الدولي في مدينة شيآن، حاضرة مقاطعة شنشي شمال غربي الصين يوم 31 أغسطس 2022. (شينخوا)
الصورة الملتقطة يوم 3 أبريل 2023 تظهر مولدات توربينات الرياح في مزرعة جاناتاس للرياح التي تبلغ قدرتها 100 ميغاوات في مدينة جاناتاس، قازاقستان. (شينخوا)