تعد قمة جدة العربية 2023م التي استضافتها المملكة، حدثاً تاريخياً ومفصلياً في تحديد مسارات التعاون والتنسيق بين الدول العربية، في ظل التحديات والتغيرات التي تشهدها المنطقة والعالم، وتهدف هذه القمة إلى تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في الوطن العربي، لتحقيق التكامل والتكافل بين دوله وشعوبه، ولكون المملكة العربية السعودية قوة إقليمية ودولية، لديها الإرادة والإمكانات في تفعيل توصيات هذه القمة، وتحقيقها على أرض الواقع بحكمة وحنكة قيادتها الرشيدة، أسفرت القمة عن إطلاق عدد من المبادرات الكبيرة والمهمة، منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: مبادرة الاستدامة البيئية في العالم العربي لمواجهة خطر تغير المناخ، وقد اتخذت المملكة بالفعل خطوات فعلية نحو هذا الهدف، بأطلاق مبادرة السعودية الخضراء ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر، التي تهدف إلى زيادة نسبة التغطية النباتية، وخفض انبعاثات الكربون، وحماية التنوع الحيوي والبيئي.

ثانياً: مبادرة النمو والتكامل الاقتصادي وتعزيز فرص التجارة والاستثمار بين الدول العربية. إذ ستتمكن المملكة باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم العربي، على تعزيز وتفعيل هذه المبادرة من خلال إقامة مناطق اقتصادية، مختلفة واتفاقيات تجارة حرة مع الدول العربية بدعم مباشر من الصندوق السعودي للتنمية وصندوق الاستثمارات العامة.

ثالثا: مبادرة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، والتي تستهدف أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين العرب، وبذلك تفتح آفاقا جديدة للتواصل بين المهاجرين العرب وبلدانهم ولغتهم وثقافتهم الأصلية. وتمثل هذه المبادرة أول مبادرة من نوعها، موجهة لشريحة كبيرة من العرب المهاجرين؛ إذ لم يسبق إطلاق مبادرة كهذه، ولم توجه العناية لهؤلاء وما تعترضهم أثناء الغربة من هموم تربية الأبناء وربطهم بهويتهم العربية، والمشكلة التي تعترضهم كثيرا عدم توافر طريقة مناسبة لتعليم اللغة العربية؛ لذلك تعد هذه المبادرة بمثابة مد جسور من التواصل مع شريحة مهمة ومؤثرة تعيش في العالم غير العربي، وتسهم عند التفاعل الإيجابي مع تطبيقها في تعزيز حضور المملكة، واستقطاب السياح والزوار إليها؛ إذ يلجأ عادة من يتعلم لغة ما، إلى السفر إلى موطنها الأصلي لاستعمالها وتنميتها، كما سوف يعزز ذلك من تفعيل التأشيرة التعليمية، التي أتاحتها مؤخرا المملكة، والتي ستؤدي هذه المبادرة إلى تفعيلها بشكل كبير. ويعد مجْمع الملك سلمان العالمي للغة العربية خير من يقوم بتفعيل هذه المبادرة؛ لأنه أنشئ للمساهمة في تعزيز دور اللغة العربية إقليميًا وعالميًا في المجالات العلمية والثقافية والتنموية على المستوى الإقليمي والدولي. حيث يستهدف المجمع خدمة اللغة العربية في جميع مجالات الحياة من خلال مجالات العمل في المجمع (التخطيط والسياسة اللغوية؛ الحوسبة اللغوية؛ البرامج الثقافية؛ والبرامج التعليمية)، وتندرج تحت كل قطاع من هذه القطاعات مجموعة من الأعمال والمبادرات التي سوف تجعل المملكة مكانا مثاليا لأبناء الجاليات العربية لتعليم اللغة العربية والدراسات الجامعية باللغة العربية في مختلف التخصصات العلمية والاجتماعية والإنسانية، بالإضافة إلى تعلم أساسيات اللغة في بلدانهم عن طريق المجمع الذي هو أيضا مرجعية اللغة العربية في المملكة.

وفي اعتقادي أن الجاليات العربية في كل دول العالم سوف يستقبلون هذه المبادرة من قمة جدة 2023م بكل سعادة وترحاب خاصة؛ لأنها تشعرهم بأهميتهم في أهم وأكبر دولة في الشرق الأوسط، التي تمثل عمق العالم العربي.

وبهذا يتحقق تفاعل أبناء الجاليات العربية مع الثقافة والعادات والتقاليد العربية الاصيلة، التي يعيشها واقعا ملموسا ويتمتع بها الشعب السعودي العظيم، والتطور الحضاري الكبير التي تشهده المملكة حاليا، لتحقيق رؤية المملكة الطموحة 2030م بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-.