لم تكد تمر أيام قليلة على العدوان الإسرائيلي على غزة، حتى عادت حكومة الصهيونية اليهودية المتطرفة إلى توتير الأجواء، من خلال اقتحام وزير الأمن الإسرائيلي باحات المسجد الأقصى، بينما اختار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن يرأس اجتماع حكومته في نفق تحت المسجد.

ويعبّر هذا التصرف الاستفزازي عن العقلية الصهيونية المغامرة، التي قد تدفع المنطقة إلى مزيد من الانفجارات، مستغلة انشغال العرب بالحرب الدائرة في السودان، وانشغال الولايات المتحدة بالتجييش ضد روسيا وشيطنة الصين، ما يزيد من عدم الاستقرار في هذا العالم المضطرب أصلاً.

قال نتنياهو، إن المعركة على القدس، التي احتلتها إسرائيل في عام 1967، لم تنته، بينما قال الوزير ايتمار بن غفير، إن "الهيكل"، يعني المسجد الأقصى، سيظل جزءَا من القدس الموحدة. يحدث هذا ضمن المساعي الحثيثة التي تقوم بها حكومات الاحتلال، لفرض الهوية اليهودية على المدينة المقدسة، على الرغم من أن كل الحفريات والبحوث، لم تثبت حتى الآن أنه كان لليهود وجود في هذه المدينة على مدى التاريخ.

يهدف الرجلان، من خلال هذه الممارسات الاستعراضية إلى كسب مزيد من التأييد في الأوساط التوراتية وقطعان المستوطنين، فرئيس الحكومة لا يتورع عن اللجوء إلى كل الوسائل من أجل البقاء في السلطة، بينما وزيره يكن الكراهية ضد العرب والمسلمين، ويهدف إلى تقسيم المسجد الأقصى مكانيًا وزمانيًا، بما يسمح لليهود بالصلاة فيه، مثلما حدث في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.

لن نتجنى إذا قلنا إن اليهود من أمكر الناس، وأكثرهم تمرسًا في الكذب، يريدون أن يضفوا طابعًا دينيًا على الصراع المستمر مع الشعب الفلسطيني، الذين أحيوا الأسبوع الماضي الذكرى 75 لنكبتهم وتشريدهم، وإقامة دولة الاحتلال الصهيوني على أرضهم.

ويجمع معظم المحللين الذين تحدثوا عن الاستفزازات اليهودية، أنها تحمل رسائل للعرب ردًا على القمة العربية 32 التي استضافتها المملكة يوم الجمعة الماضي، وأكدت على مركزية القضية الفلسطينية، واحترام الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وزارة خارجيتنا، كانت من أول من أدان هذه التصرفات الاستعراضية الاستفزازية، التي لا يمكن السكوت عليها، كما أدانتها دول كثيرة، ومنها مصر والأردن اللتان تقيمان علاقات مع الكيان الصهيوني.

لكننا تعلمنا من تجاربنا مع هذا الكيان المحتل، أنه لا يحترم العهود والمواثيق ولا القوانين أو القرارات الدولية، وأن السلام هو آخر ما يعنيه، وهو في ذلك يعتمد على الدعم الأميركي والغربي، لكن العرب يملكون أوراق ضغط، يمكن أن تكبح جماح هذا الثور الهائج، ومنها أن تعيد الدول العربية التي تقيم علاقات معه بتجميد هذه العلاقات أو التهديد بقطعها على أضعف الإيمان!

المملكة ظلت منذ تأسيها داعمة للشعب العربي الفلسطيني ومقدساته، ومن هذه الأرض ذهب عمر بن الخطاب ليستلم مفاتيح مدينة القدس، ويعطي المسيحيين فيها العهدة العمرية، وهي العهدة التي لم يحافظ المسيحيون من غير العرب عليها، وشنوا حملاتهم الصليبية لاحتلالها.

في عام 2002 طرحت المملكة، مبادرة السلام العربية التي نصت على إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967 وعودة اللاجئين وانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل، لكن إسرائيل رفضتها، لأن السلام ليس في مصلحتها.

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا على هذه المبادرة، ظلت المملكة تتمسك بها كخيار استراتيجي، لكن إسرائيل تتجاهلها في الوقت الذي تحلم فيه بإقامة علاقات مع المملكة، لأنها تعرف بأنها لن تحظى بالاعتراف والشرعية في العالمين العربي والإسلامي، من دون اعتراف المملكة بها.

لهذا، قد يبدو الوقت مواتيًا، لإعادة النظر في هذه المبادرة بعد تذكير العالم بها وسحبها، من خلال مؤتمر عربي تدعو إليه المملكة، ليعرف العالم ثقل المملكة ودورها، ولدفع العالم الغربي للتخلي عن نفاقه وإزدواجية معاييره ومحاباته لإسرائيل، كآخر دولة احتلال استعماري في العالم. هذه أمنية ولكنها غير مستحيلة، فمن يدري؟