مع اقتراب الأول من يونيو، يترقب العالم مصير سقف الدين الأميركي، ورغم عبثية المشهد، ويقيني الكامل بأنه مجرد مسرحية هزلية تسير حتماً نحو منعطفها الأخير، وهو اتفاق اللحظات الأخيرة، إلا أن هذا لن يمنعنا من النظر في استعدادات البنوك الأميركية والهيئات التنظيمية في مواجهة الفوضى؟، وكيفية تصدي الإدارة الأميركية لأسوأ ركود اقتصادي محتمل منذ الثلاثينيات؟، خاصة وأن الجميع يدرك أن جفاف الأموال سيضرب التصنيف الائتماني لأكبر اقتصاد على وجه الكرة الأرضية، وسيزيد من تكاليف الإقراض للشركات والمستهلكين، وسيكون الركود الحاد والمطول أمراً يقينياً، وستتضرر سمعة الاقتصاد والدولار بشكل يصعب إصلاحه.

حتى الآن، لم تكشف البنوك الأميركية عن خطة استجابتها للأزمة المحتملة في حال وقوعها، مثلما فعلت مثلاً كافة الدوائر الاقتصادية في المملكة المتحدة قبيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، إلا أنه يمكن استخلاص بعض الدلائل من رصد تفاعل البنوك الأميركية مع أزمة عام 2008 الشهيرة، أو مواجهات سقف الديون في عامي 2011 و2013، وإحدى الطرق المهمة التي يمكن أن تعتمدها المصارف هي تقليل التعرض لسندات وأذون الخزانة، حيث يمكن اعتبار بعض هذه الأوراق المالية أو جميعها متخلفة بمجرد استنفاد الحكومة الفيدرالية قدرتها على دفع فواتيرها، وبكل تأكيد، فإن قيمة السندات ستنخفض في حالة التخلف عن السداد، مما سيضعف ميزانيات البنوك.

تبدو الأزمة المصرفية الأخيرة مدفوعة بشكل أساسي بانخفاض القيمة السوقية للسندات بسبب تشديد أسعار الفائدة، بينما يهدد التخلف عن السداد 190 بنكًا أميركياً، إذ يدفعهم دفعاً إلى ساحة الفشل، وقد تلجاً البنوك للتحوط عبر شراء مقايضات التخلف عن السداد، وهي أدوات مالية تسمح بتعويض مخاطر الائتمان، وهذا ما تشير إليه البيانات الحالية بالفعل، حيث تخطت تكلفة التأمين على مخاطر الديون الأمريكية دول مثل المكسيك واليونان والبرازيل، وهى دول تخلفت في السابق عن سداد ديونها ولديها تصنيفات ائتمانية أقل بكثير من واشنطن، ومع ذلك، فإن شراء مقايضات التخلف عن السداد يحد من تحوط رئيسي ثالث للبنوك، وهو الحفاظ على متانة سيولتها النقدية في مواجهة العواصف والأزمات، والسيولة دائماً هي الملك.

عموماً، يبدو أن هناك صفقة مرتقبة تتشكل الآن لإنهاء المأزق الراهن، وقد تستمر الدراما حتى اللحظات الأخيرة، لأن كلا الحزبين يعتقد أنه سيكون له اليد العليا على خصمه إذا تحلى بالصبر حتى النهاية، لكنه أمر يشبه اللعب بالنار، حيث يعرض الاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية لخطر الفوضى.. على أية حال، هذه ليست المرة الأولى التي تتخلف فيها الولايات المتحدة عن سداد ديونها، كما يتوهم البعض، فقد تسبب خطأ بالكمبيوتر في عام 1979 في تخلف غير مقصود عن سداد دفعة صغيرة من سندات الخزانة، وقد أزعج ذلك التخلف المستثمرين بما يكفي لرفع أسعار الفائدة التي كان يتعين على الخزانة دفعها، وكلف هذا الخطأ الحكومة الفيدرالية حوالي 50 مليار دولار.