الـ (أنا) والـ (آخر)، والـ (نحن) والـ (هم)، مفردات ترتكز عليها عملية التفكير في المجتمعات العشائرية، وهي مفردات انغلاقية، تكرس دعاوى التمايز المزعوم، وتروج للانفصال الذي يحلم به الوعي القبلي المتخلف. والقبيلة بوصفها ظاهرة من الظواهر - بصرف النظر عن حظها من الحقيقة - تتجاوز ميدان وظيفتها، وتخيم بظلالها على مناحي الحياة خارج نطاق هذا الميدان الوظيفي، ولاشك أن حضور القبيلة بهذا الشكل الطاغي في واقع الحياة المُعاش، يجعل تأثيرها في بنية الوعي أمراً لا يمكن تجنبه، وللأسف فهذا التأثير سلبي في أبعاده، نظراً لكون القبيلة ذات حضور سلبي في السياق المدني المعاصر، وهذا ما يجعل من حضورها الطاغي خطراً يجب التصدي له، وتحجيمه، لأن تأثيرها لا يقتصر على اللحظة الراهنة، وإنما يمتد - لاختراقه لبنية الوعي - إلى أفق المستقبل المنشود.

إن العشائرية مرحلة من مراحل الإنسان البدائية، أو في - أحسن الأحوال - مرحلة دنيا في سلم الرقي الإنساني، ومن هنا فإن تسرب روحها إلى وعي الإنسان المعاصر، يعني الرجوع به إلى مرحلة من تلك المراحل، ولاشك أن ملامح السلب في القبيلة هي ذاتها ملامح السلب في التفكير لدينا، مما يؤكد اننا نفكر بواسطة وعي قبلي، نظراً لأن وعينا بوجودنا وعي قبلي. ولهذا فالتخلص من الوعي المتخلف يستلزم - بالضرورة - التخلص من الوعي القبلي، ابتداءً من تهميش دور القبيلة في الحياة، وانتهاءً بالكشف عن أسطوريتها التاريخية، وحظها من الحقيقة، الذي قد لا يتجاوز حدود الصفر.

وإذا كان الدخول في المعاصرة يستلزم الدخول في الثقافة التي تصنع هذه المعاصرة، فإنه يستلزم من جهة أخرى، الخروج من كل تشكل ثقافي يتعارض مع شروط العصر أياً كان تمظهر هذا التشكل الثقافي، ولاشك أن القبيلة تشكُّل (ثقافي) يجب الخروج منه كشرط أولي للدخول في ثقافة العصر (ثقافة العقل الحديث). ولكن هذا الخروج من ثقافة، والدخول في ثقافة أخرى، تناقضها في أنساقها ليس عملية سهلة، ومن ثمَّ فليست في متناول الجميع، لأن التضحية بتشكل ثقافي اعتادت عليه النفس، واطمأنت إليه، وأصبحت تتعامل معه بأقل جهد، تحتاج إلى وعي بدرجة الضرورة التي تقود إليها. لذا فإن قراءة بعض مفردات السلب بين القبيلة والفكرة، وكيف تتماهى الثانية مع الأولى قد تكون حافزاً لتقديم شيء من التضحية للخروج من عالم القبيلة إلى عالم العصر، ولعل أهم هذه المفردات التي ارتأيت الوقوف عندها ما يلي:

1- القبيلة ذات أنساق ماضوية، ولذا فهي تنظر إلى الخلف أكثر مما تنظر إلى الأمام، فحركتها اللاواعية قائمة على استحضار الماضي وتوظيفه في الحاضر، ولا يمكن أن يتم هذا الاستحضار مالم يتجذر في الوجدان العام أن رجالات الماضي أعظم وأكمل و.. من رجالات الحاضر، وأن ما فعله الآباء والأجداد نموذج يجب التقيد به لأنه النموذج الكامل، ومادام نموذجاً كاملاً فكل خروج عليه هو نقص عن الكمال، أو انحراف في رؤية الحق، ومن ثمَّ فلا حاجة للابتكار، لأن الأسلاف هم الأكمل عقولاً والأصح أجساماً والأفصح ألسنة، والأصح نية، والأبعد عن مواطن الأهواء.. إلخ. كل هذه الملامح التي تضعها مخيلة القبيلة عن ماضيها نراها ماثلة لدينا في عالم الفكر، فقد تشكل الفكر لدينا بوعي القبيلة، فأصبحت ثقافتنا ذات بعد ماضوي موغل في ماضويته، يقدس آراء الأوائل والأسلاف كما يقدس الفرد في القبيلة ذكرى الآباء والأجداد، ويذود عنها سهام التخطئة والانتقاد كما يذود عن أبيه وجده سهام الهجاء والسباب، وبهذا يتداخل عالم القبيلة مع عالم الفكر، فتصبح آلية التعامل واحدة، لا لصالح الفكر بل لصالح القبيلة، وهذا بدل أن تخضع القبيلة لمنطق الفكر والعقل، يخضع الفكر لمنطق القبيلة، مما يعني تدهوره، وتحوله إلى أن يكون عاملاً في السلب وهذا - كما تؤكده كثير من الشواهد - واقع الحال.

2- عالم القبيلة عالم مغلق، فالدخول فيه دخول قدري، كما أن الخروج منه ليس ممكناً، لأن حدود هذا العالم حددت سلفاً. ولا مكان في الوعي القبلي لمنزلة بين المنزلتين، إذ لا يستجيب الانتماء القبلي للنسبية، فإما أن تكون من القبيلة أو لا تكون، فالحدود فاصلة، ومن هو داخل حدود القبيلة يجب عليه أن يرضى بأفرادها، لا لتميزهم واتصافهم بالفاعلية الايجابية، وإنما لمجرد كونهم من شجرته المباركة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تعامله مع أبناء القبائل الأخرى لابد أن يتسم بالحذر والارتياب، وأن ينظر إلى ما يصدر عنهم بعين أخرى، غير التي ينظر بها إلى ما يصدر عن أبناء قبيلته. بهذا الوعي القبلي المنغلق على الذات نفكر نحن أبناء القبيلة، فقد ولدنا على تراث لم نُستشر فيه فكان لزاماً علينا أن نتمثله، وأصبحت أفكار هذا التراث عالماً مغلقاً، لا تقبل إلا أن تؤخذ بحزم وعزم، ولا مجال للنسبية في القبول، أو الانتماء إلى هذا الفكر الموروث، ونقد هذا التراث، والحفر في أعماقه، والكشف عن تناقضاته وعيوبه، جريمة في حق القبيلة (التراثية) لأن مفردات التراث هي المعادل - في الوعي التقليدي - للآباء والأجداد في القبيلة، فالحفر في قضية من القضايا يصبح وكأنه نبش لقبور الآباء والأجداد، ويكفي هذا التراث حصانه أنه (منا وفينا!). كل هذا التسامح مع ثقافة الأنا (مع القبيلة) يقابله ارتياب بثقافة الآخر، وذم لها وتوجس منها، لا لشيء إلا لأنها ليست من نتاج القبيلة (والقبيلة هنا التراث) ولهذا وجدنا في عالم الفكر التقليدي مفردات يحدد بها التقليديون موقفهم من ثقافة الآخر هي في الأصل من المفردات التي تكون هاجساً في وعي القبيلة، كالغزو الفكري!، والهجوم على التراث!، ولهذا أصبحت القضية عند أصحاب هذا الوعي القبلي المتخلف: من يكتسح من؟ ومن تكون له الصدارة والهيمنة الفكرية، التراث أم ثقافة الآخر؟ ولم يُطرح سؤال الأصلح، لأن ابن القبيلة (الفكرة من التراث) أفضل من غيره، وبهذا تظهر العنصرية في الأفكار، لأن القبيلة تشكُّل عنصري، ولا يمكن إلا أن تكون كذلك، وإذا أصبح الفكر ميداناً للتصور العنصري فإنه فكر يعمل في السلب لا في الإيجاب.

3- القبيلة قائمة على تصور موهوم، فوجودها ليس وجوداً موضوعاً في الأصل، بينما الوجود الفكري ينطلق من وجود موضوعي، فالفكر - ما يستحق تسميته فكر - حقائق، والإثبات أو النفي فيه، مرجعه إما إلى الوقائع التجريبية وإما إلى الاستدلال البرهاني، ولهذا فإن التعامل مع عالم الفكر بمفاهيم عالم القبيلة يعني تقبل وجود اللاموضوعي في عالم الفكر، وبهذا يستحيل أن يتقدم الفكر، بل ينتكس في هذه الحال، لأن الهمّ في العالمين مختلف، فالهمّ في العالم القبلي همّ وجداني نفعي، والهمّ في المجال الفكري همّ نهضوي شمولي، لذا نجد ذا الوعي القبلي إذا اشتغل على هموم الفكر تعامل مع الأفكار لا بوصفها أفكاراً قابلة للتموضع، وقمينة بأن تكون ذات جدوى، بل بمدى قربها أو بعدها وجدانياً من عوالمه، فليست الفكرة هي التي تصنع مصيرها، وإنما (نسب) الفكرة هو العامل الأساس الذي يحدد مصيرها.

4- البنية القبلية بنية انفصالية عن ما جاورها من البنى، وعلاقتها بهذه البنى - في الأصل - علاقة عدائية تصادمية، بينما البنى الفكرية مهما تعارضت وتناقضت فالعلاقة في الأخير تفاعلية، ومتى دخلت الفكرة عالم الوعي وهي تحمل هذا التصور القبلي العدائي فإنها تكون فكرة مدمرة، لأن هاجسها يصبح إزاحة غيرها من الأفكار، بمعنى أنها تصبح إرهابية المحتوى، لا تسمح بمجاورة غيرها من الأفكار، وبهذا التماهي بين الفكرة والقبيلة تفقد الفكرة أهم ما فيها وهو جوهرها الإنساني، أي أنها من أي إنسان ولأي إنسان.

من كل هذا يتضح لنا أن القبيلة ليست وجوداً ساذجاً ولا بريئاً، وإنما هي وجود طاغ، يتجاوز الحدود، وإذا كانت سلبياتها في الاجتماعي ظاهرة، فإن سلبياتها في الفكري قد تخفى، مع أنها أشد خطورة، وأبعد ضرراً. لهذا فإن تهميش القبيلة ضرورة مرحلة، ليصبح الإنسان ابن نفسه، منتمياً لمجتمعه بوصفه (رقماً) في هذا المجتمع، ولإنسانيته التي تحمل الأمانة بها.