"الخيط الأبيض من الليل" رواية للكاتب الكويتي خالد النصرالله، وكانت من الروايات المرشحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية العام الماضي.

منذ الصفحات الأولى جذبتني الرواية بشكل هائل، ربما لأنها تتحدث عن الكتابة، بل هي لا تتحدث سوى عن الكتابة، والقراءة، والكتب، والكتّاب. كيف يمكن أن تتخيل أن تكون هذه هي عوالم الرواية، وفي ذات الوقت، لا يصيبك الملل، كيف نجح الكاتب في أن يغرقك في تفاصيل دقيقة تتحدث عن هوس البطل بالقراءة، ثم الكتابة، وأنت تتفاعل وتشعر بالوحدة أو البرد أو الألم، بدون أن يذكر الكاتب ذلك. يتحدث الكاتب بحيادية تامة، هو فقط يصف ماذا يفعل البطل، أو كيف يتصرف بناء على أحداث معينة، لكنه لا يحاول أن يجعلك تتعاطف معه، لا يصوره كبطل، هو فقط يصور لك ما يقوم به هذا الشخص في مراحل مختلفة من حياته، وهذا ما يجعل الرواية تحمل هذا الحس الغامض والقاتم، الفاتن في غموضه وقتامته.

لغة الرواية قوية، ورصينة، وهذا ما جعلها جذابة في نظري.

يمكن لجيلي والأجيال السابقة أن تتفاعل أكثر مع الرواية، الجيل الذي كبر وهو يعرف معنى وجود رقيب، وهو ما أطلق عليه الروائي صفة مدقق بدلا من رقيب، الرواية تتحدث عن هذا المدقق، الذي نشأ مهووسًا بالقراءة، ثم عمل في المؤسسة التي تجيز الكتب، وهو بذلك كان يحقق هوسه الكبير في القراءة، هذا هو عمله، أن يقرأ، وربما هو التحق بهذا العمل لهذا الغرض، لكن الجانب الآخر من العمل، الجانب المظلم الذي يلي القراءة، وهو عدم إجازة الكتب التي تحوي عبارات معينة هو الذي خلق لديه هذا الرفض لعمله، ومن ثم محاولته من المكان الذي يحتله أن يقاوم صميم عمله.

هي رواية ديستوبية، الكآبة تطغى على كل أجزائها، شبهها الكثيرون برواية جورج أورويل 1984، الممتع فيها كما ذكرت في البداية أنها تختص بعالم الكتابة. بطلها يبدأ بالقراءة، ويعمل مدققا "رقيبا" على الكتب، ثم يقلقه أن كلمة واحدة ستمنع روائيًا مهمًا يحبه من نشر الكتاب، من هنا تبدأ الحكاية، وتبدأ المقاومة، ورث مطبعة من أبيه، المطبعة التي ستلعب دورًا في المقاومة، ثم يقرر أن يساهم هو أيضا ويكتب روايته، كفعل مقاومة.

هناك أشخاص آخرون، يتحركون حول البطل، لتعزيز إحساسنا بما يقوم به، المدير والروائي والأخت والأم. وهناك الحبيبة الغائبة وهناك شخصيات الرواية التي يكتبها البطل. هناك الكثير من الروعة التي جعلتني أكتب عن هذه الرواية، ولا أعرف كيف يمكن أن أوصل إحساسي بها. على كل حال، اقرؤوها كي تعرفوا ماذا قصدت.