تأتي ميزانية العام 2022، نتيجة للتخطيط والعمل التشاركي بين كافة الأجهزة الحكومية، حيث بذلت الجهود وسخرت الإمكانيات وحشدت الطاقات في إعداد هذه الميزانية بصورة ملائمة تحقق من خلالها مستهدفاتها الاستراتيجية حتى تخرج بمنتهى الشفافية والوضوح، وانطلاقاً من إلتزام الحكومة المباشر فيما يخص الأوضاع المالية والاقتصادية، من خلال إصدار التقارير المرتبطة بالميزانية، وذلك تماشياً مع رؤية المملكة 2030، للمضي في تعزيز النمو الاقتصادي في مرحلة ما بعد الجائحة، وتسخير الموارد المالية للإنفاق على الصحة والتعليم وتطوير الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى استمرار الدعم والإعانات الاجتماعية، وتأتي الميزانية استمراراً لمسيرة الإصلاحات الداعمة لتطوير إدارة المالية العامة، مع إلتزام الحكومة بالمحافظة على أسقف الإنفاق المعلنة سابقا، بما يضمن استدامة مالية على المدى المتوسط ومركزاً مالياً قوياً يمكن الدولة من مواجهة أي متغيرات طارئة، وامتصاص الصدمات الاقتصادية غير المتوقعة.

شهدت مؤشرات أداء الأنشطة الاقتصادية نموا ملحوظا حتى نهاية الربع الثالث من عام 2021م، مشيرة لاستمرار حالة التعافي بسبب سرعة ارتفاع نسب التحصين مما ساهم في تخفيف المزيد من الإجراءات الاحترازية المتبعة المملكة، بالإضافة إلى السماح بالعودة الحضورية بشكل جزئي لقطاع التعليم، وكذلك الإعلان عن عودة كامل الطاقة الاستيعابية اليومية للحرمين الشريفين، وقد انعكس ذلك إيجاباً على مستويات الاستهلاك، كما تأثرت الإيرادات بعدد من العوامل الايجابية منذ بداية العام المالي الحالي وفي مقدمتها التعافي التدريجي الذي تشهده أغلب الأنشطة الاقتصادية بعد انحسار الجائحة.

تواصل الحكومة جهودها في تنفيذ المشاريع الكبرى والمبادرات المعلنة سابقاً كبرامج: التحول الوطني، وجودة الحياة، وخدمة ضيوف الرحمن، ومبادرة السعودية الخضراء، التي من شأنها تحقيق تغيرات هيكلية إيجابية تنعكس على مستوى جودة حياة المواطنين والمقيمين والخدمات المقدمة لهم.

انعكس الأداء الإيجابي في الاقتصاد المحلي خلال العام الحالي على مؤشرات سوق العمل، حيث تشير بيانات نشرة سوق العمل الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء إلى تراجع معدل البطالة الإجمالي إلى 5.8% في الربع الثاني من عام 2022م كما انخفضت معدلات البطالة للسعوديين لتصل إلى 9.7% مقابل 10.1% في الربع الأول من عام 2022م، وهو أقل معدل بطالة منذ عقدين.

يُعود التراجع المستمر في معدل البطالة بين السعوديين إلى جهود خطط برنامج التوطين الذي يقوم بوضع المحفزات والممكنات لتشجيع قطاع الأعمال على توطين فرص العمل المتاحة بالإضافة إلى إتاحة أنماط العمل الجديدة مثل العمل المرن والعمل عن بعد.

تقوم المملكة بمواجهة التطورات المحتملة في الاقتصاد العالمي من خلال استمرار متابعة دورها في المحافظة على استقرار أسواق الطاقة، وإطلاق المبادرات التنموية كالمبادرة الوطنية لسلاسل الإمداد العالمية، بالإضافة إلى اتخاذ الإجراءات الاستباقية لمواجهة التضخم وتعزيز الأمن الغذائي محلياً.

تخصيص حوالي 20 مليار ريال لمواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار العالمية: منها 10 مليارات ريال لمستفيدي الضمان الاجتماعي وبرنامج حساب المواطن، و9.6 مليار ريال لزيادة المخزونات الاستراتيجية من المواد الأساسية، والتأكد من استمرار توافرها في الأسواق المحلية دون انقطاع أو تأخير.

تستمر (مواسم السعودية) التي انطلقت في الربع الرابع من العام الحالي حتى الربع الأول من عام 2023م، حيث ستسهم في خلق فرص وظيفية والمساهمة في ترفيه المواطنين والمقيمين وتحسين جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد الوطني عبر جذب السياح من شتى أنحاء العالم. تتمثل أبرز توجهات ميزانية عام 2022م، في استمرار الصرف على منظومة الدعم والإعانات الاجتماعية، وتخصيص ميزانيات أعلى لبرامج تحقيق الرؤية والقطاعات الاقتصادية الجديدة والبحث والابتكار لتسريع إنجاز المستهدفات، وإتاحة الفرص أمام القطاع الخاص والصناديق للمشاركة في قيادة الفرص الاستثمارية وخصخصة بعض الأصول والخدمات الحكومية بالإضافة إلى مشاريع البنى التحتية، ومواصلة تنفيذ الإصلاحات الداعمة لتطوير إدارة المالية العامة بما يحقق الانضباط المالي وتعزيز كفاءة الإنفاق.

وتكمن أهم مستهدفات الميزانية على المدى المتوسط في تسهيل مناخ الأعمال وتعزيز دور القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، وتمكين المملكة من تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية بشكل رئيسي، وتحقيق مستهدفات رؤية 2030 من خلال تنويع الاقتصاد وتنمية وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وضمان استدامتها، ووضع ضوابط على نمو القفات بما يدعم النمو الاقتصادي وتحقيق الاستدامة المالية، والاستمرار في مراجعة برامج الحماية الاجتماعية وتحسينها بما يحقق الوصول للمئات المستهدفة والفائدة المرجوة منها، واستمرار تمويل برامج تحقيق الرؤية والمستهدفات الاستراتيجية للقطاعات، وتطوير إدارة المالية العامة وتقوية الموقف العالي للمملكة لتعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية.

وشهدت أسواق النفط تطورات إيجابية هذا العام، بعد انخفاض الأسعار بشكل حاد في العام الماضي، مدعومة باستمرار التعافي الاقتصادي العالمي بعد أزمة كوفيد-19». إلا أن استمرار فرض بعض القيود الاحترازية المرتبطة بالجالحة للحد من آثار السلالات المتحورة يشكل تحديا أمام استقرار أسواق النفط. وقد يؤثر على الإيرادات النفطية في الميزانية وبالتالي القدرة على تغطية النفقات المخططة. لذلك تسعى المملكة لدعم استقرار أسعار النفط من خلال سياستها النفطية وجهودها المبذولة في دعم اتفاقية (أوبك). كما تسعى لتنويع قاعدتها الاقتصادية وتقليل اعتمادها على الإيرادات النفطية.

ورغم تخفيف الإجراءات الاحترازية المرتبطة بالجائحة، إلا أن تحديات تطورها تظل قائمة وقد تلقي بظلالها على أداء الاقتصاد المحلي وفي حال عودة انتشار الفيروس، فإن ذلك شأنه التأثير على الأنشطة الاقتصادية سليا، وكذلك فإنه من الممكن أن يؤدي إلى تراجع معدلات الاستهلاك مما قد يؤثر على معدلات النمو الاقتصادي سلباً، وبالتالي على الإيرادات غير النفطية وعجز الميزانية.