جميعنا يعرف قصة الأرنب والسلحفاة، وكيف أن الأخيرة فازت بالسباق! لكن هل سبق وسمعت قصة الثعلب والقنفذ؟ في استعراضي لكتاب "من جيد إلى عظيم" للكاتب "جيم كوين" لفت نظري استلهامه تلكم الحكمة اليونانية العتيقة ليس فقط على حياتنا الشخصية، بل حتى على عالم الأعمال!

تعود القصة إلى الشاعر الإغريقي "أرخيلوخوس"، الذي دوّن قبل نحو ست مئة سنة قبل الميلاد: "الثعلب يعرف أشياء كثيرة، ولكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً كبيراً" وكأنما يرسم صورة الثعلب وهو يقوم بحيل متعددة واستراتيجيات مختلفة بهدف اصطياد القنفذ، فهو يتسلل وينقض ويلتف من الخلف من أجل أن يظفر به، ولكنه غالباً ما يفشل، لأن القنفذ يركز على حركة واحدة يعرفها تماماً، يتكور على نفسه وتبرز أشواكه، فلا يستطيع الثعلب الفوز به وينتصر القنفذ الضئيل.

في مقالة شهيرة للفيلسوف "أشعيا بيرلن" صنّف المفكرين الكتاب إلى صنفين: إما ثعلب وإما قنفذ! الأول يعتمد مجموعة متنوعة من الخبرات ولا يختزل العالم في فكرة واحدة، بل يسلك تحليلاً متعدداً وفي بعض الأحيان متناقضاً مثل ويليام شكسبير وموليير، بينما الثاني يرتهن إلى مبدأ أخلاقي واضح وهدف محدد، لأنه ينظر للعالم بمنظور فكرة محددة، مثل دوستويفسكي وهيجل.

وهو ما يحدث يومياً في أحداث يومنا وتخطيط مستقبلنا، فالكثيرون يحاولون أن يصبحوا دوماً ثعالبه، حيث المكر والدهاء واقتناص الفرص المتنوعة، والركض وراء مجموعة واسعة من الأهداف المتناثرة، لكن ما يحدث أن التشتت والقفز من هنا إلى هناك لا يحقق المأمول على المدى المتراكم، بل غالباً يقود إلى خسارة الفرص العظيمة، والخنوع للنجاحات الصغيرة التي لا تذكر، بينما القنافذ يسعون نحو هدف مركزي وواضح، نعم قد يكونون بطيئين لكنهم ثابتون، يبتعدون عن المشتتات وعن صغائر المكاسب، حتى يفوزوا بالجائزة الكبرى، لأنهم على عكس الثعالب لديهم القدرة على تبسيط الصورة وحصر التركيز على أهداف محددة، مما يعزز القدرة على تحقيق الأهداف رغم جاذبية الفرص الجانبية وتوالي التحديات.

هذا المبدأ ما يؤكده مؤلف "من جيد إلى عظيم"، بأن فرص نجاح الشركات تكون أكبر حينما تركز على شيء رئيس واحد وتقوم به على نحو جيد مثل القنفذ! كما يفعل أغلب القادة والعظماء الذين يتميزون بقدرتهم على تبسيط العالم المعقّد في رؤية موحدة، وبالتالي توحيد قراراتهم، وتوظيف مواردهم وطاقتهم بشكل أفضل.

غير أن البعض يجادل أن ليس من الضروري أن تكون دوماً قنفذاً، فأنت بحاجة إلى المراوغة في بعض الأحيان، واقتناص فرص سانحة في أحيان أخرى، وهذا صحيح بشكل عام، لكن بالتأكيد أن تكون واضحاً ومحدداً - كما القنفذ - يمنحك ميزة لا مثيل لها، لأنك قادر على التركيز الضروري وتجاهل أي شيء آخر.

ليس من الواجب أن تختار بين الثعلب أو القنفذ، لكن المهم أن تعرف ما تريد، وكيف تحصل عليه بذكاء.