عندما تحدث الأزمات الاقتصادية تتجه الأنظار إلى القطاع البنكي لأنه المرآة الحقيقية التي تعكس الأحداث الاقتصادية، وهو القطاع الرئيس الذي ترتبط به كل القطاعات الأخرى، ولذلك تعمل البنوك المركزية على إصدار تقارير السلامة المصرفية بشكل دوري؛ لأنها تعطي صورة شاملة عن قدرة البنوك على مواجهة المخاطر، الأزمة الاقتصادية هذا العام أزمة مركبة فالتضخم يزداد كل شهر والسياسات النقدية للبنوك المركزية تزداد تشددًا البنك الأوروبي رفع الفائدة من منطقة الفائدة السلبية للمرة الأولى منذ ثماني سنوات لتصبح صفرا بالمئة ومتوقع أن يواصل الرفع خلال الأشهر المقبلة والفائدة على الدولار مرجحة أن تصل إلى 4 % مع نهاية العام، وهذا قد يقود الاقتصاد العالمي إلى ركود تضخمي.

1.8 نسبة القروض المتعثرة.. والعائد على الأصول بلغ 2.2 % وعلى الأسهم 12.1 %

المملكة لا شك أنها سوف تتأثر بما يحدث في العالم، وهذا ما أثار الشكوك حول قدرة البنوك السعودية على تحمل تلك الصدمات الاقتصادية، وخصوصًا أنها توسعت كثيرًا خلال السنتين الماضيتين في عمليات الإقراض مما يعني أن التعثر في سداد القروض - قد - يزداد مع تدهور الاقتصاد العالمي، القروض العقارية ارتفعت خلال الخمسة سنوات الماضية بنسبة 84 % أما القروض السكنية فقد ارتفعت 7 أضعاف مقارنة مع عام 2017، ويرى البعض أن البنوك السعودية قد تكون معرضة لأزمة رهون عقارية كما حدث في أميركا عام 2008، وللرد على مثل هذه الشكوك يجب مقارنة ما حدث في أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية مع القروض السكنية في البنوك السعودية، حيث قامت البنوك الأميركية بدءا من عام 2004 بإقراض ذوي الدخل المحدود مبالغ ضخمة من أجل شراء المنازل، كانت هذه القروض عالية المخاطر والضمان الوحيد هو رهن الأصل العقاري، ومع توسع البنوك في الإقراض حدثت طفرة عقارية غير مسبوقة وقامت البنوك الاستثمارية باقتراض مليارات الدولارات من أجل شراء القروض العقارية وتحويلها إلى أوراق مالية قابلة للتداول في البورصة، تضخمت أسعار العقارات بأضعاف قيمها الحقيقية، وارتفعت نسبة الرافعة المالية لأغلب البنوك وبالتالي دخلت شركات التأمين لتغطية تلك الخسائر، المقترضون تخلفوا عن سداد الأقساط المستحقة، فقامت البنوك ببيع أصولهم العقارية المرهونة وحدثت فجوة كبيرة ما بين العرض والطلب حتى أصبحت قيمة المنزل أقل بكثير من قيمة القرض، وبما أن عمليات الإقراض كانت كبيرة بما يفوق مراكز شركات التأمين والبنوك المقرضة أدى ذلك إلى سقوط الكثير من تلك البنوك وشركات التأمين وحدثت الأزمة العالمية عام 2008 والتي طالت تبعاتها كل اقتصادات العالم.

أما الرهن العقاري في البنوك السعودية فإنه يعتمد على رهن الأصل العقاري مع ضمان تحويل الراتب إلى البنك المقرض والذي يقوم بخصم مستحقاته شهريًا، وهذه الإجراءات تخفف كثيرًا من تعثر قروض الرهن العقاري، أما المخاطر المحتملة تكمن في مدة التمويل التي تصل إلى 25 سنة وخلال هذه المدة الطويلة قد يحدث ركود عقاري أو ينخفض سعر صرف الريال السعودي، كما أن معظم القروض السكنية بالفائدة الثابتة وهذا قد يسبب خسائر للبنوك إذا ارتفعت الفائدة بنسب كبيرة وخصوصا البنوك التي تدفع فوائد على الودائع، تمويل الشركات أيضًا مصدر قلق للبنوك عند حدوث الأزمات الاقتصادية وخصوصًا تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ولكن الرقابة الصارمة التي ينتهجها البنك المركزي السعودي مع البنوك وخصوصا مع إدارات المخاطر والالتزام كانت هي الدرع الواقي الذي حمى البنوك السعودية من جميع الأزمات السابقة.

النشرة الإحصائية الشهرية التي يصدرها البنك المركزي السعودي تحتوي على تقرير مؤشرات السلامة المالية للقطاع المصرفي وقد أظهرت خلال الربع الأول من العام الحالي تحسنا كبيرا في هذه المؤشرات حيث سجل معدل كفاية رأس المال 20 % حسب معايير بازل 3، وهذه النسبة التي حققتها البنوك السعودية من أعلى النسب عالميًا، كما أن القروض المتعثرة إلى إجمالي القروض بلغت 1.8 % وهي أيضا من أقل نسب التعثر، وسجل العائد على الأصول 2.2 % والعائد على الأسهم 12.1 % أما هامش الفائدة إلى إجمالي الدخل فقد بلغ نسبة 74.1 %، أما مصاريف غير الفوائد إلى إجمالي الدخل فقد بلغت 34.1 %، والأصول السائلة إلى أجمالي الأصول بلغت 23.7 % علما أن معيار ساما يشترط أن لا تقل النسبة عن 20 % وللتوضيح الأصول السائلة هي الأصول التي يمكن أن يسيلها البنك في وقت قصير للوفاء بالتزاماته التي تتطلب الدفع الفوري، وأخيرًا بند الأصول السائلة إلى المطلوبات قصيرة الأجل حيث بلغت نسبة 39.6 %، كل هذه المؤشرات تُظهر أن القطاع المصرفي السعودي قادر على تحمل الصدمات الاقتصادية العالية، وأنه في مأمن من حدوث أي تعثر في سداد القروض على المدى القصير، كما أن قوة الاحتياطيات في البنك المركزي السعودي يمكن استخدامها وقت الحاجة لحماية البنوك السعودية وأموال المودعين.