«رأس المال البشري»، الكنز المدفون والذي اكتشفه العالم وحقق من خلاله أقصى درجات التنمية وتحقيق الرفاهية، إنه استثمار في عقول الأجيال واكتشاف لكل إمكاناتهم المتاحة واتجاهاتهم لرفع طاقاتهم الإنتاجية - في المدارس الحديثة - إن أردنا ذلك.. وكما يقول الفلاسفة: «صناعة الفضاء والمستقبل تبدأ من عقل طفل متعلم»..

عندما يقول آينشاتين: «المخيلة أكثر أهمية من المعرفة؛ فالمعرفة محدودة، أما المخيلة فتطوّق العالم»، فذلك امتدادٌ لبيئة تعلمٍ حديثةٍ «ابتكاريّةٍ» تنطلق نحو البيئة المُمكِنة مجالاتٍ وآفاقاً أمام المتعلمين لإطلاق «خيالاتهم» نحو كل جديد ومختلف ومثمر.

ومن نفس المنطلق، نجد أن «المدرسة الحديثة» من يحقق فيها الطلاب تقدماً «يفوق» ما يمكن توقعه، بناءً على ما يتم تزويدها به من تكنولوجيا متقدمة وبسرعةٍ فائقة، حسب مدير معهد التربية بجامعة لندن البروفيسور بيتر مورتيمور.

وعند استقراء تجارب بعض الدول المتقدمة في التعليم مثل فنلندا، سنغافورة، كوريا الجنوبية، اليابان، ماليزيا، والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها، نجد تعدد النماذج التي تتحدث عن تصميم «بيئات تعلّمٍ ابتكاريّة» ونشطة وفاعلة وحديثة، وبمبررات كان على رأسها التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم الحديث وما يتطلبه سوق العمل من مهارات عقلية عليا جداً، وتخصصات دقيقة لا تستطيع بيئات التعلم التقليدية الكلاسيكية توفيرها!

اللافت كذلك، ووفق أهداف واضحة، ومتفق عليها تقريباً بين تلك النماذج، أن دمج التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال داخل المدرسة، يكون تكاملياً شمولياً بين جميع أطراف العملية التعليمية، مع توزيع للأدوار في القيادة والتوجيه، وتشجيع لعملية التعلّم بمساحات من الحرية وإطلاق عنان الخيال، مع نشر لثقافة التعلّم التعاوني «النشط» -لا الطاولات المستديرة وجلوس الطلاب حولها فقط- والتي تسمح بطرح الأسئلة بين مجموعة من الطلاب، والبحث عن إجابات يمكن أن تمثل كل واحدة منها فكرة جديدة قد تكون مبتكرة، أو نواة لبراءة اختراع.. مع استغلالٍ لاستراتيجيات التدريس الحديثة كالتعلّم القائم على المشاريع والتعلّم الذاتي، والتعلّم الإلكتروني، والمختبر عن بعد وغيرها..

وفي نفس المنعطف، يأتي تكميلاً وتجويداً، إعداد ملف إنجازات رقمي «بورتوفيليو» لكل طالب باعتباره بُنية ابتكارية لها طبيعتها الخاصة وقدراتها المميزة وطرقها المفضلة في التعلّم، وأخيراً تطوير طرق تقييم الطلاب بأدوات ومقاييس تخرج من دائرة الاختبارات التحصيلية التي تعتمد فقط على الحفظ والتلقين إلى نماذج إلكترونية ونقاشية في حلقات، وعبر وسائل تكنولوجية أكثر ثراءً وإثارة للتفكير والقدرات الكامنة.

يبقى التعليم هو المحرك الرئيس للازدهار والرفاهية على مستوى الأفراد والمجتمعات، وواحداً من أهم العوامل التي تعمل على دفع عجلة النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في أي رقعة في العالم، وطريقاً مهماً للوصول نحو الريادة العالمية والتقدم الاقتصادي، ومنه نكتشف أن هناك اليوم حدوث طفرة وتزاحماً كبيرين في أنظمة التعليم، وبروز "رأس المال" المستثمر في مشروعات لتمويل التعليم باعتباره "المحرك لقواعد اللعبة"!

وفي المنعطف نفسه، نجد اليوم هناك علاقة وثيقة بين النمو الاقتصادي وجودة التعليم، خصوصاً في دول الأسواق أو الاقتصاديات الناشئة التي تتمتع بتدافع الطبقات الوسطى المتنامية نحو الطلب على أنواع خاصة من التعليم لتلبي احتياجات وطبيعة هذه الأسواق المتطورة بسرعة متزايدة، لاسيما في مجالات التكنولوجيا والمعلومات ووسائل الاتصال.

ورغم أن الحاجة لم تزل ملحة في عدد كبير من بلدان العالم والأسواق الناشئة لرأس المال العام والخاص والخيري الداعم لأنظمة التعليم ومؤسساته المختلفة والمتنوعة، حيث يمكن توافره من التوسع جغرافياً والابتكار في تقسيمات التعليم وفرص المنافسة، وكذلك بالتركيز على النتائج في قطاع التعليم، رغم وجود عدد من التحديات المتعلقة بالربح والمخاطرة وإمكانية قياس النتائج، وهذا يمكن التغلب عليه بتحديث الأطر التنظيمية وتطوير فلسفة المستثمرين وربطها بأهداف السوق المستدامة، والسعي نحو تحقيق عوائد مادية واجتماعية على حد السواء.

وطننا اليوم، يسعى سوق التعليم فيه إلى صنع فرص استثمارية، ويتطلع إلى استثمار التسارع المبهر في إنتاج البحوث والاختراعات في مجال تطوير التعليم وفي الأجهزة التقنية التي تزيد من فاعلية عملية التعلم، وعملية نقل المعلومة وتبادلها وتوصيلها للمتلقي، وهذه خطوات مهمة توفر فرصاً استثمارية فريدة للتعليم وفتح آفاق جديدة في تطوير قطاعاته.

بقي مع ذلك أن نضع حسباناً أولاً وأخيراً، إلى "رأس المال البشري"، الكنز المدفون والذي اكتشفه العالم وحقق من خلاله أقصى درجات التنمية وتحقيق الرفاهية، إنه استثمار في عقول الأجيال واكتشاف لكل إمكاناتهم المتاحة واتجاهاتهم لرفع طاقاتهم الإنتاجية - في المدارس الحديثة - إن أردنا، وبالتالي طاقة المجتمع الكلية لإنتاج المزيد من السلع والخدمات التي تحقق الرفاهية والتطور المستمر، وكما يقول الفلاسفة: "صناعة الفضاء والمستقبل تبدأ من عقل طفل متعلم"، بشرط الاستثمار فيه وتحفيزه ووضعه في السياق التعليمي المناسب لطموحاته وتطلعاته، إنه رأس المال البشري وكفى!