المملكة في جميع خطواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإستراتيجية ذات سيادة ورؤية واضحة تنطلق من معرفتها بما تريد هي لا من إدراكها لما يريد الآخرون وإن كانت معرفتها بمواقف الآخرين جزءاً من انتهاجها لسياسة الحوار لكي تتوفر المعرفة المتبادلة بضرورة السعي نحو تقريب وجهات النظر..

بدأت العلاقات السعودية - الأميركية تأخذ طريقها إلى عالم الوجود السياسي عقب لقاء الملك عبدالعزيز بالرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت عام 1945م وإلى اليوم فلم يتولَ رئيس أميركي لم يولِ هذه العلاقة اهتمامه الشخصي، فقد قام كل من الرؤساء الأميركيين السابقين ريتشارد نكسون، وجيمي كارتر، وبوش الأب، وبل كلينتون، وجورج بوش، وبارك أوباما ودونالد ترمب بزيارات للمملكة.

كما قام كل من الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبدالله والملك سلمان بزيارات إلى أميركا وجاءت زيارة الرئيس الأميركي جوزيف بايدن استكمالًا واستمرارًا في سلسلة طويلة على مستوى عالٍ في وصل الحوار وتبادل وجهات النظر من أجل المصالح الوطنية والإقليمية والعالمية.

هذا فيما يتعلق بلقاءات القمة فضلاً عن العلاقة الدبلوماسية على مستوى السفارات والمبعوثين الخاصين والعلاقات شبه الدبلوماسية التي يخلقها جو التبادل التجاري.. وهي علاقات تتسم بالتفاعل في ضوء معطيات موضوعية تحدد سياسة كل من الدولتين، والتي على ضوء مصلحتهما السياسية والاقتصادية والإستراتيجية العليا تترتب جميع مظاهر العلاقة إذ لم تكن هذه العلاقة هبة من أحد الطرفين للآخر بمقدار ما كانت وليدة رغبة مشتركة في التطوير وتحقيق النمو الاقتصادي والاعتراف المتبادل بين البلدين بأهمية الآخر، وكونه طرفاً أساسياً في كثير من المعادلات التي تؤثر على مصالح الطرف الآخر والحرص المشترك على الاستقرار العالمي.

كل هذه المرتكزات الموضوعية جعلت من العلاقات السعودية - الأميركية نسيجاً ملتحماً لا يمكن أن ينظر إليه من خلال الزاوية الاقتصادية وحدها، فالمملكة دولة ذات سيادة ورؤية واضحة تؤمن بالاعتدال والاستقرار وتتخذ الموضوعية ومواجهة الحقائق سبيلاً للتعامل الدولي مع كل القوى العالمية والإقليمية.

هذا التوازن سمة لسياسة المملكة الخارجية تجاه الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية.

ولذلك فالولايات المتحدة الأميركية تدرك حجم ودور المملكة الحقيقي كدولة قائدة ومحورية، تتمتع بثقل واستقرار اقتصادي وسياسي على مستوى العالم، ومكانة قيادية على مستوى العالم العربي والإسلامي، وهذا لم يكن قصارى وحجم دور المملكة، فهي على ساحة الاقتصاد العالمي الطاقة العضو الأكبر بحكم حجم الإنتاج، وأحد أكبر الأعضاء الفاعلين في منظمة التجارة العالمية، وأحد الأعضاء الكبار في مجموعة العشرين الاقتصادية الكبرى، وقبل ذلك أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة الأمم المتحدة.

ومع إطلالة هذه المرحلة الجديدة أخذت العلاقات السعودية - الأميركية أشكالاً جديدة، أملتها الأوضاع العالمية والمتغيرات السياسية في العالم.

ومن هنا أخذت العلاقات السعودية - الأميركية شكلًا جديداً يعد فيه كل من الطرفين الطرف الآخر شريكًا أساسيًا لا بد من أخذ وجهة نظره باهتمام كبير في أي مسعى سياسي أو اقتصادي أو عسكري أو إستراتيجي.

فالعلاقات السعودية - الأميركية - كما كانت دائماً - لا تقوم على تفوق موروث لأي من الطرفين على الآخر ولكنها تقوم على تحليل منطقي لمصالح الطرفين في ضوء انتماء كل منهما إلى حضارته واحترام كل منهما لتراثه الثقافي والفكري وقيمه وخياراته الإستراتيجية.

واليوم المتغيرات الإستراتيجية العالمية استدعت دخول المملكة كبلد رئيس في الساحة العالمية، وقد استخدمت المملكة ثقلها السياسي والاقتصادي والإستراتيجي إقليميًا وعالميًا من أجل الوصول إلى حلول عادلة وسليمة وذلك بما تتمتع به من حكمة وحنكة ونظرة واسعة بحيث أصبحت كيانًا يجمع وبلدًا يوحّد وقوة تعزز وتدعم الحق وتقف إلى جانب المبادئ، فالمملكة قوة فاعلة في المسرح العالمي كما ينبغي أن تكون ودولة محورية لا يمكن الاستغناء عنها دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا وإستراتيجيًا وأمنيًا على مستوى العالم وتكمن أهميتها العالمية في مواقفها المعتدلة ونفوذها السياسي وموقعها الإستراتيجي وقوتها الاقتصادية ودورها الدبلوماسي كل هذه المعطيات مكنت المملكة من أن تقوم بأدوار سياسية واقتصادية وإستراتيجية عالمية وأن تحتل مكان الصدارة إقليمياً وعالمياً.

فالتوازن سمة لسياسة المملكة تجاه الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من القوى والسمة الأخرى في العلاقات الثنائية بين المملكة والولايات المتحدة الأميركية هي الندية والتكافؤ بحيث إن بلادنا بقدر كونها استفادت من علاقتها الطويلة مع الولايات المتحدة الأميركية في تطوير مواردها الذاتية وترسيخ بنية اقتصادها الوطني وتدعيم إمكاناتها الدفاعية.

فإن الولايات المتحدة استفادت بصورة مباشرة أو غير مباشرة من العلاقات الاقتصادية السعودية الأميركية ويعد حجم التبادل التجاري السعودي الأميركي دليلا على أن التجارة السعودية تلعب دورا قويا ومنعشا للاقتصاد الأميركي فالمشتريات السعودية من أميركا اليوم تفوق حجم مشتريات شريك تجاري قديم للولايات المتحدة كفرنسا وإيطاليا.

ومن جانب آخر فالمملكة في جميع خطواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإستراتيجية ذات سيادة ورؤية واضحة تنطلق من معرفتها بما تريد هي لا من إدراكها لما يريد الآخرون وإن كانت معرفتها بمواقف الآخرين جزءاً من انتهاجها لسياسة الحوار لكي تتوفر المعرفة المتبادلة بضرورة السعي نحو تقريب وجهات النظر.

ولذلك فالمملكة في جميع علاقاتها تنطلق من مصلحتها الوطنية والتي على ضوئها يترتب مظاهر سلوكها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والإستراتيجي، وقد شاء الله أن يكون قدرها أن تحمل مع تطلعاتها الوطنية المشروعة هموم المنطقة بأسرها وهي منطقة إستراتيجية ذات أهمية قصوى للعالم بأسره وأن تشارك أكثر من غيرها في التصدي لمشكلات كثيرة وقد تقبلت هذا القدر بروح المسؤولية من منطلق معرفتها بحجمها الدولي كقوة فاعلة في المسرح العالمي.

فالتوازن الدقيق الذي أقرته سياسة الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - هو أن تحرص المملكة على رعاية مصالحها الوطنية ومكانتها القيادية في العالمين العربي والإسلامي ودورها الإقليمي والعالمي.