إننا حين نفتخر بأننا مسلمون ونباهي بذلك العالمَ كلَّه فلا يقتصر ذلك على ربع واحد أو باب واحد من ديننا وهو باب العبادات، فذلك وإن كان هو الأساس في التميز والانتساب إلا أن القوة والاقتصاد والتقدم الدنيوي هو الدرع الحصين والجسر المنيف الذي يحمي الإسلام ويظهر سعته وقدرته على احتواء كل الحضارات..

في الحديث عن القوة دائمًا ما تذهب الأفكار إلى قوة الجيوش، وامتلاك الأسلحة، والسيطرة على ميادين المعارك، وهذا في حقيقة الأمر لا يكون إلا بعد التمكن من القوة الذكية التي تدار بها تلك الجيوش، وتصنع بها تلك الأسلحة، فإن هذه القوة هي الأساس التي تنطلق منها الإنجازات العظمى.

ونحن في بلاد الحرمين وكل المسلمين قد امتلكنا هذه القوة منذ الوهلة الأولى من التاريخ الإسلامي، حيث نزلت مبادئ هذه الانطلاقة الذكية في أول كلمة من كتابنا العزيز {اقْرأ} فظهرت نتائج هذا التأصيل والتقعيد الإلهي في وقت قصير، وقلبت موازين الحياة آنذاك من الجهل إلى العلم، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن التناحر والتدابر والتهاجر، إلى التآخي والتعاون والتراحم، ومضت على ذلك عصور المسلمين الذهبية، تربية في العقيدة والأخلاق والعلم والطب والصناعات. وحتى لا يقال هذا ادعاء فبإمكان القارئ الاطلاع والمرور على تاريخ الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب والأدب وعلم الاجتماع والعمران وحتى علم الأصوات، سيجد أن للاسم "العربي والإسلامي" النصيب الأكبر في تأسيس هذه العلوم واستمرارها وازدهارها، ولولا بعض المنعطفات السياسية والطائفية التي مرت بالأمة الإسلامية، لكانت بلاد العرب والمسلمين اليوم هي رائدة العالم في كل تلك المجالات الصناعية والفيزيائية والطبية وغير ذلك.

ولما كانت تلك العقول تبحث عن خدمة الإنسانية، أسست علومها في غياهب الطروس وعلى الرقاع والجلود، وتلك إرادة الله لتبقى هذه القوة الذكية، حاضرة وميسرة للالتقاط، فالتقطتها الأمم الأخرى فظهرت في بلدانها، في عمرانها، في جيوشها، في مشافيها، في جامعاتها، وفي اقتصادها! وكان لتلك الأسماء العربية والإسلامية حضوراً بارزاً في كل تلك العلوم.

وهذا وإن كان فيه شرف للعرب والمسلمين إلا إنه من الزاوية الأكثر وضوحاً فيه عتاب ولوم يقع على العرب والمسلمين لتفريطهم في تلك العلوم، وإهمالهم لهذه القوة الذكية التي هي أساس كل القوى.

ويروى عن الإمام الشافعي أن كان يتأسف ويتحسر على ما ضيعه المسلمون من علم الطب ويقول: "ضيعوا ثلث العلم.."، وإذا كان الشافعي تلهف على علم الطب فكل المسلمين اليوم يتلهفون على كل العلوم التي ظهرت وبرزت وكان المسلمون أولى وأجدر بها فهم أمة {اقرأ}!

ومع ذلك فما زال لاستدراك الأمر متسعًا من الوقت، وهو ما نراه ونلمسه من قيادتنا الرشيدة ودولتنا المباركة من الاهتمام بالعلوم في كل المجالات، وتخصيص الميزانيات والجامعات والمدارس لذلك، وإنشاء المدن الذكية، ولكن الاهتمام من طرف واحد لا يكفي، فالواجب على الشعب والرعية التفاعل مع هذا التقدم العلمي والحرص على التحصيل الذكي، وغرس حب العلم والإبداع العلمي في قلوب الأبناء والأجيال.

إننا حين نفتخر بأننا مسلمون ونباهي بذلك العالمَ كلَّه فلا يقتصر ذلك على ربع واحد أو باب واحد من ديننا وهو باب العبادات، فذلك وإن كان هو الأساس في التميز والانتساب إلا أن القوة والاقتصاد والتقدم الدنيوي هو الدرع الحصين والجسر المنيف الذي يحمي الإسلام ويظهر سعته وقدرته على احتواء كل الحضارات، ورعاية كل العلوم والابتكارات، وفي الحديث الصحيح، حين رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة يلقحون النخل قال: "لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا" - تمرًا رديئًا - فمر بهم، فقال: "ما لنخلكم؟"، قالوا: قلت كذا وكذا.. قال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وكأنه أراد أن يعلمهم درسًا عمليًا مزدوجًا في أهمية صحة الاعتقاد وأن كل شيء بقدر الله وعلم الله، وأن علوم الدنيا لا تتناقض مع صحيح الاعتقاد إذ أعطاهم الشرع الفسحة في سلوك العلم والذكاء لتحسين موارد الحياة واقتصادها. هذا، والله من وراء القصد.