هل يوجد عندنا رواة حقيقيون يُعتمد عليهم في حفظ أشعارنا، ما أعرفه أن لدينا شعراء يقومون بدور الرواة، ولكنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والاستقصاء والتأكد من المصادر الأصلية للقصيدة، ولكن لماذا لا نعتمد على المناهج النقدية في التأكد من صحة القصيدة فالمنهج التاريخي في النقد الأدبي يعرفنا على زمن القصيدة وعلاقتها بالزمن الذي قيلت فيه ومدى تأثر الشاعر بالوسط الذي عاش فيه وعلاقته بالبيئة ويستدل به على التفكير السائد في ذلك العصر..

عرف تاريخ الشعر الشعبي على مدى سنوات طويلة حركة نشر أدبية متنوعة. فعلى رغم أن الشعر الشعبي أثر تأثيراً واسعاً في ميدان الإبداع الفني والإمتاع إلا أنه كان مقلاً في التأليف فقد كانت حالة النشر ضيقة إلى حد بعيد والتي في معظمها كانت تفتقر إلى الترابط المنطقي والنهج العلمي.

وتعود بدايات التأليف في الشعر الشعبي إلى مرحلة الثلاثينات عندما نشر الأديب مـحمد بن بليهد كتابه [صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار] متناولاً في أحد فصوله حالة الشعر الشعبي في جزيرة العرب وقد اعتبره بعض الأدباء والنقاد ومن بينهم الدكتور محمد بن سعد بن حسين أستاذ الأدب في كلية اللغة العربية أحد أهم مصادر الشعر الشعبي رغم أنه لم يحظ بشهرة أدبية إلا في الثمانينيات الميلادية.

وقد توقع بعض النقاد أن يتبع هذا الإصدار سلسلة دراسات أدبية ونقدية في مجال الشعر الشعبي الى أن نشر الشيخ عبدالله بن خميس في الستينات كتاب [الأدب الشعبي في جزيرة العرب] تبعه مـحمد العبودي وسعد بن جنيدل في دراسات تقترب من الشعر الشعبي.

وإن كنت أرى أن كتاب خالد الفرج ديوان النبط ودراسات جورج أوغست أولين والتي كتبها أثناء إقامته في منطقة الجوف ونشرت في مجلة الجمعية الألمانية للاستشراق ودراسات يوهان جوتغريد فيتشتاين ملامح لغوية من مضارب البادية السورية وسلسلة تاريخ نجد في عصور العامية لأبي عبدالرحمن بن عقيل ودراسة د. غسان الحسن الشعر النبطي في منطقة الخليج والجزيرة العربية ودراسات شفيق الكاملي الشعر عند البدو تمثل مصادر رئيسية لدراسات الشعر الشعبي يضاف إليها كتاب الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص وكتاب تداخل التاريخي والأسطوري في المرويات الشفهية للدكتور سعد الصويان ودراسة الدكتور حسن نعمة والتي تطرق فيها إلى المراحل الزمنية التي مر بها الأدب الشعبي والشعر النبطي في وادي الفقي للأديب أحمد الدامغ.

وباستثناء تلك المؤلفات والدراسات فإن ما نشر في الأعوام الماضية في النقد وتاريخ الأدب الشعبي لا يتجاوز العشرين مؤلفًا وهو عدد قليل مقارنة بتاريخ الشعر الشعبي.

وقد ظل الأدب الشعبي طوال تلك السنين مقلًا في مسألة التأليف يعتمد على المشافهة والسماع أكثر من اعتماده على الدراسة والبحث وإن كان هناك من يزعم بأن الأدب الشعبي قطع في مجال التأليف شوطًا طويلًا ومصدر ذلك الزعم النشر الصحفي سواء ما نشر عن طريق الصحافة العامة أو المجلات المتخصصة أو المواقع الإلكترونية أو الفضائيات الشعبية أو الإعلام الجديد السوشل ميديا ولكن الميدان الذي تعتمد عليه الأمم في آدابها -كما يقول د. طه حسين- ليس الصحف والمجلات بل هو الدراسات والكتب وإذا ظل الأدب الشعبي يعتمد على الصحف والمجلات والفضائيات والإعلام الجديد فسوف يبقى أدبًا ساكنًا جامدًا.

وإذا افترضنا أن الصحف والمجلات تساعد على تسيير حركة الشعر الشعبي فإن دورها في ميدان الدراسات والأبحاث الأدبية دور ضئيل محدود.

عند ذلك نستطيع أن نقول: إن الأدب الشعبي لم يتقدم في مجال التأليف بل تأخر عن غيره من الآداب الأخرى ولكن ما الحل؟

الحل في تصوري في أن تتبنى المؤسسات الثقافية والعلمية كالجامعات والأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون تنشئة هذا الأدب على أسس أدبية ونقدية جادة سواء عن طريق أقسام الدراسات الأدبية أو الاجتماعية في الجامعات أو إيجاد مراكز متخصصة لدراسة الشعر الشعبي. هذا إذا ما أردنا أن نرفع من قيمة هذا الأدب ليؤدي دوره كاملًا في الحياة الأدبية بعيداً عن المنهج الذي اختطه الرواة لهذا الأدب، فإذا ما نظرنا إلى العلاقة ما بين الرواة والشعر الشعبي في ضوء الحدود النقدية التي تحكم الشعر نجد أنه يسودها الغموض.

في الثمانينيات الميلادية كتبت عن أسلوب بعض الرواة في النشر وبالذات في المؤلفات التي تتناول قصائد الشاعرات وقارنت بين أسلوبهم في رواية وتدوين الشعر بأسلوب حماد الراوية وخلف الأحمر في رواية وتدوين الشعر الجاهلي وإن كان بعض تلك الرواة يعتبرون عملهم من حذف وإضافة عملاً أخلاقياً يقوم على روح المحافظة ولكن الشيء الذي قد لا يدركه الرواة أن تلك القصائد قد قيلت في عصر سابق لعصرنا وأنها تصور مرحلة سابقة لهذه المرحلة وأنه لا يجوز لنا ولا لغيرنا أن نأتي على تجربة مرحلة من المراحل بالتغيير والحذف والإضافة ولكن يمكننا دراسة تلك القصائد وقراءتها قراءة نقدية بمعنى أنه يتسنى لنا دراستها ونقدها ولكن ليس تغييرها أو حذفها أو إضافة أبيات عليها أو تغيير مناسبتها بدعوى المحافظة.

فالشاعرة التي كانت قالت تلك القصيدة قبل أكثر من مئة سنة أو أقل قالتها تحت تأثير واقعها الاجتماعي إذًا فهي مشاعرها أو الشعور العام للمجتمع إن أفضل طريقة أن يترك هذا الشعر لأن الدارسين والباحثين وخصوصًا الذي يعنون بدراسة العصور والمراحل التاريخية والاجتماعية سيلحظون مدى الاختلاف في قصيدة كتبت أبياتها الأولى منذ ثلاث مئة سنة وبقية الأبيات منذ ثلاث سنين أو أقل أو أكثر وربما لا يلحظون هذا الاختلاف فتأتي نتائج دراساتهم غير دقيقة.

في عام 1981م قامت ليريك أليسون الطالبة الأمريكية بقسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون برحلة علمية إلى الرياض لجمع مادة رسالتها للدكتوراه عن تغريبة بني هلال وحروب آل ضيغم أمضت ليريك فترتين في جمع مادة دراستها الأولى من نوفمبر 1981م إلى نهاية يونيو 1982م، والأخرى من فبراير 1983م إلى نهاية مارس 1983م وكانت مصادرها الرئيسية الرواة.

وفي عام 1984م نشرت نسخة باللغة العربية قالت إنها معدلة عن رسالتها للدكتوراه ناقشت فيها عناصر الصورة النجدية لتغريبة بني هلال السالفة النص النثري لحكايات بني هلال في ترحالهم غربًا.

حين سُئلت ليريك عن موقفها من الرواة وكيفية التحقق مما تختاره قالت بأنها تأخذ بأسلوب التعدد في الرواية وتعني بذلك أن تنظر في كل الروايات وتختار القصيدة التي يجمع أكثر من راوٍ على صحتها، ورغم أنه أسلوب قديم ومنهك للباحث إلا أنه يحتاج لزمن طويل للمفاضلة بين الروايات وكأنها بذلك تريد أن تتجنب الوقوع في القصائد المنتحلة.

ولكن هل يوجد عندنا رواة حقيقيون يعتمد عليهم في حفظ أشعارنا، ما أعرفه أن لدينا شعراء يقومون بدور الرواة، ولكنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والاستقصاء والتأكد من المصادر الأصلية للقصيدة، ولكن لماذا لا نعتمد على المناهج النقدية في التأكد من صحة القصيدة فالمنهج التاريخي في النقد الأدبي يعرفنا على زمن القصيدة وعلاقتها بالزمن الذي قيلت فيه ومدى تأثر الشاعر بالوسط الذي عاش فيه وعلاقته بالبيئة ويستدل به على التفكير السائد في ذلك العصر.