بداية كانت قوية للقطاع المصرفي هذا العام، حيث نمت محافظ الإقراض وزاد الطلب على تمويل الشركات بعد أن كثر الحديث عن توجه الفيدرالي الأميركي لرفع أسعار الفائدة وهو ما حصل لاحقًا، وبتحليل أرقام النشاط التمويلي للبنوك السعودية خلال الخمسة أشهر الماضية نجد أن الإقراض في شهر يناير نما بنسبة 0.8 % مقارنة مع ديسمبر 2021 ثم ارتفع في فبراير بنسبة 1.6 % مقارنة مع يناير ثم ارتفع في مارس بنسبة 2.2 % مقارنة مع فبراير وبعد ذلك تراجع نمو الإقراض بعد أن رفع الفيدرالي أسعار الفائدة حيث سجل في أبريل 1 % ومايو 0.8 % هذا النمو الكبير للإقراض الذي تجاوز 6.5 % مقارنة مع ديسمبر 2021 قابله ضعف في نمو الودائع التي لم يتجاوز نموها 3.5 % مما تسبب في الضغط على سيولة البنوك، تراجع السيولة أيضا تسبب في الضغط على أسعار الفائدة بين البنوك السعودية (سايبور) حيث وصلت إلى مستوى 3.3 % أجل 3 أشهر مما استدعى تدخل البنك المركزي السعودي لضخ ودائع حكومية في القطاع المصرفي بنحو 50 مليار ريال في الأسبوع الماضي بسعر فائدة أقل من سعر السايبور مما ساهم في خفض مؤشر السايبور الى مستوى 2.9 % وهذه النسبة تعبر عن بداية استقرار السيولة، في الأحوال الطبيعية يكون الفارق بين سعر السايبور والريبو نحو 50 نقطة أساس، ولعلنا في هذا التقرير نحاول الغوص في تفاصيل ضعف نمو الودائع المصرفية، أرجح بأن أحد أهم مسببات ضعف السيولة هو التضخم العالمي، وبقراءة تحليلية لأرقام الواردات السلعية في السعودية نجد أن قيمتها تجاوزت 212 مليار ريال خلال الأربعة أشهر الماضية وهذا رقم تاريخي تسجله الواردات السلعية، قيمة الواردات يتم تغطيتها في الغالب من خلال القطاع المصرفي أما بالاعتمادات البنكية أو التحصيل المستندي ويتم السداد عند استلام مستندات الشحن أو بعد تأجيل لا يزيد على 3 أشهر في الغالب، وهذا اتفاق بين المصدر والمستورد، بعد كل هذه الدورة المستندية يتم سداد المبلغ من الحساب البنكي للمستورد، في الدورة الطبيعية يتم تعويض المبالغ التي سحبت من الودائع المصرفية لسداد الالتزامات من خلال التدفقات النقدية التي تحصل عليها الشركات من عمليات البيع، ولكن عندما تتضخم الأسعار فإن حركة المخزون تتباطأ، ولذلك تتحول سيولة الشركات إلى المخزون وهذا ما حصل خلال الأشهر الماضية، حيث ضعف الطلب وارتفعت المخزونات وتراجعت السيولة المالية لدى الشركات واضطرت إلى طلب تمويل مصرفي لتلبية حاجتها من السيولة، وهذا ما تسبب في خلق فجوة بين نمو التمويل ونمو الودائع المصرفية حيث تجاوز حجم التمويل في شهر مايو نسبة 101 % للودائع المصرفية، صادرات المملكة خلال الأربعة أشهر الأولى من هذا العام سجلت نموًا بنحو 82 % والصادرات غير النفطية نمت بنحو 34 % وإن كانت قيمة الصادرات النفطية لا تدخل في القطاع المصرفي إلا أن قيمة الصادرات غير النفطية إن استمرت في النمو سوف تدعم الودائع المصرفية خلال الفترة القادمة، لأن التصدير يتم بالآجل لمدد بين 3 - 6 أشهر وخصوصًا الصادرات البتروكيميائية والمعادن، كما نتوقع أن يزيد نمو السيولة في المصارف خلال النصف الثاني مع دفع الحكومة للفواتير المستحقة للقطاع الخاص، وقد يضخ البنك المركزي السعودي سيولة إضافية لتلبية أي احتياج للقطاع المصرفي، البنوك لن تتوقف عن تلبية طلب الشركات للتمويل وخصوصا أن المملكة تمر بمرحلة مهمة اقتصاديًا ومشروعات الرؤية تتسارع من أجل تحقيق أهدافها وهذه فرصة جيدة للبنوك من أجل تعظيم الاستفادة من هذه المرحلة وقد تلجأ إلى إصدار أدوات دين لتعزيز ملاءتها المالية وقد لاحظنا أن البنوك القيادية قامت بإجراءات خلال الأشهر الماضية على سبيل المثال مصرف الراجحي رفع رأس ماله من 25 مليار ريال إلى 40 مليار ريال عبر تحويل الأرباح المبقاة وأصدر صكوك مقومة بالريال بـ 6.5 مليارات ريال وكذلك البنك الأهلي أصدر صكوكًا مقومة بالدولار بـ 750 مليون دولار أميركي، وهنالك سيناريو آخر قد تلجأ إليه البنوك في حالة زيادة الطلب على التمويل وتراجع نمو الودائع وهو الامتناع عن صرف أرباح للمساهمين من أجل الاستفادة من الأرباح المبقاة لتمكينها من التوسع في الإقراض.

الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة صعبة للغاية التباطؤ الاقتصادي يسيطر على المشهد، وبعض الدول انكمشت اقتصاداتها في الربع الأول من هذا العام بعد أن حققت نموًا جيدًا في العام الماضي، استمرار الحرب الروسية الأوكرانية سوف يؤثر سلبًا على المشهد الاقتصادي وقد تتسبب في حدوث ركود تضخمي، المملكة ليست بمعزل عن كل هذه التحديات ولكن السياسيات الاقتصادية المتزنة ومخرجات رؤية 2030 سوف تحميان الاقتصاد السعودي من أي تقلبات حادة في الاقتصاد العالمي، فالتصنيفات الائتمانية القوية للمملكة والبنوك السعودية والنظرة المستقبلية الواعدة سوف تدعمان استقرار السيولة وتدفق الاستثمارات الأجنبية، الفوائض المالية التي حققتها الميزانية السعودية خلال النصف الأول متوقع لها أن تستمر خلال النصف الثاني من هذا العام وهذا من شأنه تعزير احتياطيات البنك المركزي السعودي، وسوف ينعكس أثرها على قوة القطاع المصرفي.