جولة سمو ولي العهد الأخيرة كانت موفقة في تاريخها واختياراتها، ويدخل فيها ما حدت بعد ذلك، كزيارة الكاظمي لجدة ومن ثم لطهران، والمفاهمات بين تركيا وإيران، وكل هذا قبل ثلاثة أسابيع من زيارة بايدن إلى المملكة يومي 15و16 يوليو القادم، والمتوقع أنه سيقابل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وسيحضر قمة عربية تشارك فيها دول الخليج ومصر والأردن والعراق.

مجلس العلاقات الخارجية الأميركية أشار في دراسة حديثة لأهمية زيارة المملكة، وأكد على ضرورة الوصول معها إلى اتفاق جديد بطابع استراتيجي، وتحديداً بعد الأزمة الأوكرانية التي كشفت عن حاجة العالم إلى مصادر للطاقة وعلى رأسها النفط السعودي، بعد أن تورطت أميركا وأوروبا في أوكرانيا وأُرهقت اقتصادياً وعسكرياً، مثل ما حدث بعد تقسيم يوغوسلافيا في يوليو 1995، بالإضافة لإقناعها بضم أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، مع أن الحكومة الأوكرانية تصنف ضمن أكثر عشر حكومات فساداً في العالم، ومعظم العرب بما فيهم المملكة يقفون على الحياد في التعامل مع داعمي الأزمة الأوكرانية والمشاركين فيها.

بايدن سيأتي إلى المملكة لاستعادة جزء من شعبيته، فالأمور لا تسير في صالح إدارته في ظل تأزم الأوضاع الاقتصادية، والتضخم الذي يعد الأعلى منذ أربعين عاماً، علاوة على الاحتقان الأميركي بسبب الانسحاب غير المرتب من أفغانستان بلا مكاسب، وقد يخسر الديموقراطيون الانتخابات النصفية في الكونغرس لصالح الحزب الجمهوري، والمطلوب منه أن يبرهن لحلفائه العرب، وبالدليل، أنه لا يعمل ضدهم، وأن يراجع مواقفه وأولوياته القديمة.

الأمير محمد بن سلمان كشف قبل عامين، عن رغبته في تحويل الشرق الأوسط إلى أوروبا جديدة، وطموحه يكبر في مدينة نيوم وبميزانية تصل إلى نصف تريليون دولار، والسعوديون ومعهم العرب يملكون القوة البشرية والقدرة المالية لتحقيق المعجزات، وبإمكانهم قيادة العالم في أقل من 100 عام، وكل هذا سيحدث عن طريق التحالفات الاقتصادية العملاقة، وبالاستحواذ على الشركات العابرة للقارات، ووفق رؤية إقليمية تشبه رؤية المملكة في طموحاتها.

كل ما تستطيع أميركا تقديمه للمملكة موجود في أوروبا وروسيا والصين والهند وبأسعار أقل، وإذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون قد نجحوا في شحن تركيا وإيران ضد جوارهما العربي، وكلاهما معزول عن محيطه، ويحاول حرق جيرانه والتعكير عليهم، فهذا لا يعني أن القمة العربية، بحضور أميركي ستنحاز إلى خيار التدمير الذاتي، وإلى التحالف المذهبي في مواجهة الآخر المختلف، والأنسب توظيفها كفرصة لإحلال الاستثمارات الاقتصادية والحلول الدبلوماسية محل البندقية والدبابة، وكما قال العبقري السياسي ونستون تشرتشل، بتصرف، المصالح ثابتة ومستمرة والعداوات والصداقات متغيرة، والثابت، في رأيي، أفضل من المتغير.