إن رسالة «المدارس الحديثة» التى توجهها سياسات تعليمية متجددة، وتُشرف عليها قيادات تعليمية مرنة ومتعاونة وموزعة بين مديرين ومعلمين يثقون بقدراتهم الذاتية من أجل توفير بيئة تعليمية جاذبة تلبي أولاً احتياجات الطلاب الأساسية من البحث والابتكار أولاً، سترتقي بهم من سفح «هرم ماسلو» للاحتياجات الإنسانية إلى قمته حيث «الاحتياجات الجمالية» مروراً بالحاجة للأمان وإدراك الذات وتقديرها وتحقيقها..

كان اكتشاف الصورة الكمية للعلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي على أيدي اقتصاديين محدثين منهم "ويليام شولتز" و"دينون وسولو"، رغم أنه لا يوجد رأي موحد بين رجال الاقتصاد فبعضهم يرى أن التعليم استهلاك صرف.. وبعضهم يراه استثماراً صرفاً متمسكاً بمفهوم الصفة الاستثمارية للإنفاق على التعليم؛ لأنه يتيح الفرصة لزيادة الدخل الذي يمكن الحصول عليه.

ويُعبر عنه كذلك بالمعادلة التالية "حينما يستقطع الأفراد جزءاً من أموالهم وينفقون على التعليم الذي يتيح لهم إمكانية العمل بصورة أكبر في المستقبل فإن ذلك يعني أن هؤلاء الأفراد إنما يستثمرون هذه الأموال في ذواتهم"، وكما يراه شولتز "إن مستوى التعليم وحجم الإنفاق على الدراسة يزيد من دخل الفرد المتعلم في المستقبل وكلاهما في مجال استثمار"!

ومنه مهمٌ أن نناقش اليوم بيئة "المدارس الحديثة" التي تنشد في تأسيسها وبرامجها وأهدافها أقصى درجات الإبداع والتفرد والبحث الابتكار والذي يؤدي إلى استثمار أكبر في رأس المال البشري، خاصة بعد الثورة على المدارس التقليدية التي فرضتها الثورة التكنولوجية الكبرى مع إشراقة القرن الواحد والعشرين والألفية الجديدة، وكيف توجهت أنظار صناع السياسات التعليمية تجاه تأسيس نوع فريد من المدارس الذكية أو الفاعلة ينسجم مع روح العصر ومتغيراته، ويذهب إليها "الطلاب" بأرواحهم لا أبدانهم!

البروفيسور "دايفيد هوجس" من جامعة نورث كارولاينا يرى أن "الابتكار" أصبح مهارة أساسية تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في الاقتصاد العالمي ومستوى رفاهية الشعوب، ومن الضروري أن تتبنى الأنظمة التعليمية الحديثة اليوم تصوراً علمياً واضحاً ومحدد الآليات داخل البئية والقاعات الدراسية؛ حتى يجعل من استلهام الأفكار وإثارة التفكير الإبداعي والقدرات الابتكارية والبحث العلمي معياراً مهماً في سيرورة عملية التعليم والتعلم.

وبالمقابل يؤكد صاحب الاختبار العالمي لقياس مستوى التفكير الإبداعي - المُترجم إلى أكثر من ثلاثين لغة - البروفيسور "بول تورانس" على أهمية إدماج التدريب على تقنيات التفكير الإبداعي في البرامج التربوية وبيئتها المناسبة بناءً على خطة علمية تهتم بتقوية نقاط القوة لدى كل متعلم، إذ أن لكل فرد شخصيته الفريدة وقدراته العقلية المميزة التي يجب اكتشافها وخلق فرص النجاح والابتكار أمامها مهما تعرض صاحبها للفشل في أثناء المحاولات أو التعلم.

إن رسالة "المدارس الحديثة" التى توجهها سياسات تعليمية متجددة، وتُشرف عليها قيادات تعليمية مرنة ومتعاونة وموزعة بين مديرين ومعلمين يثقون بقدراتهم الذاتية من أجل توفير بيئة تعليمية جاذبة تلبي أولاً احتياجات الطلاب الأساسية من البحث والابتكار أولاً، سترتقي بهم من سفح "هرم ماسلو" للاحتياجات الإنسانية إلى قمته حيث "الاحتياجات الجمالية" مروراً بالحاجة للأمان وإدراك الذات وتقديرها وتحقيقها، كما تنقل المتعلمين من أقصى "تصنيف بلوم" للإدراك المعرفي حيث مستويات الإدراك الدنيا إلى القمة؛ أي من مهارات الفهم والتطبيق وتحليل المشكلات والحكم على الأشياء إلى الإبداع والتفكير الابتكاري.

وقد يبقى هنا، "بيئة التعلم التكنولوجية"، وإليها وفيها سنجد كثيراً من الأبحاث العلمية والمؤتمرات العالمية للابتكار تبلور كثيراً من أفكارها المطروحة وتوصياتها العلمية على أرض الواقع لتعزيز "بيئة التعلم الابتكاري"؛ فركزت على أهمية بناء "بيئة تقنية" ثريّة ومتنوعة للتعلم تشبه فيها المدرسة حاسوباً كبيراً على اتصالٍ نشطٍ لا ينقطع بالعالم المحيط ومؤسساته العلمية والاجتماعية المختلفة، مع تكييفٍ للمناهج الدراسية بما يتناسب مع ثورة التكنولوجيا والاتصال والمعلومات، وأولوية لتغيير الممارسات التعليمية وطرائق التدريس بما يشجع التفكير النقدي لدى المتعلمين ويحفز الإبداع وروح الابتكار دون الارتكان على مخرجات ورقة "اختبار" فقط!