إن مسابقة رتال العالمية لتصميم المساجد أتاحت الفرصة لفهم التصور العام لتصميم المساجد لدى قطاع كبير من المعماريين والطلاب في مجتمعات وثقافات عدة، وأكدت أن هناك إشكالية في التعليم المعماري..

استكمالاً لمقال الأسبوع الفائت حول المسابقة المعمارية وتأثيرها المهني بشكل عام والتعليمي بشكل خاص، اتصل بي أحد المشاركين في مسابقة رتال للمساجد بعد أن اختارت لجنة التحكيم 24 مشروعاً في القائمة القصيرة من أصل 154 مشروعاً قدم للمسابقة، بحيث يتم لاحقاً اختيار الفائزين من القائمة القصيرة. قال لي الزميل إنه ليس من العدل ترك المسابقة مفتوحة حتى للطلاب، فغالباً مشروعات الطلاب ليس عليها قيود وتستثير الأفكار المبتكرة ومنفتحة على الخيال، وكان يرى أن الطلاب سوف يحصدون الجوائز نتيجة لهذا الانفتاح غير المقنن الذي غالباً ما تكون عليه مدارس العمارة ويشجعه التعليم المعماري وليس متاحاً للمهنيين الممارسين الذين يتبعون الأنظمة بحذر ويفكرون في التنفيذ قبل التصميم. وكان يعتقد أن في هذا ظلماً للمهنيين الذين بذلوا جهوداً كبيرة لتقديم مشروعات قابلة للتنفيذ. بعد حديث الزميل العزيز عدت مباشرة للقائمة القصيرة وبحثت فيها، وكانت المفاجأة أنه لم يتم اختيار أي مشروع للطلاب. لقد أثار هذا انتباهي، فلماذا خابت توقعات الزميل؟ وهل هذا يعني أن التعليم المعماري الذي عرف عنه التحرر من القيود بدأ يتنصل عن المبادئ الأساسية التي تأسس عليها؟

حاولت أن أستعيد ذاكرتي التعليمية خلال الثلاثة عقود الأخيرة، فهل التعليم المعماري صار يتراجع تدريجياً دون أن نشعر حتى تحول إلى مجموعة من القيود التي تحد من خيال الطلاب وتحبسهم في حدود لا يستطيعون الخروج عنها، وبالتالي غاب الإبداع الحقيقي؟ وهل يعني عدم تمكن أي طالب من الوصول للقائمة القصيرة في المسابقة أن هناك خللاً في التعليم المعماري ليس في العالم العربي فقط ولكن في العالم أجمع؟ أذكر أن أحد التعليقات التي وصلتني هي أنه يفترض أن نخصص جوائز للطلاب مستقلة عن المهنيين، فقلت له: إن هذه المسابقة مفتوحة للجميع دون تمييز، فالفائز أو أحد المشاركين سيتم تنفيذ مشروعه، والمطلوب ليس مشروعاً جاهزاً للتنفيذ بل فكرة جديدة وخلّاقة يمكن تطويرها وتنفيذها، لذلك كنّا نعول على مشروعات الطلاب كي تأتي بأفكار غير مسبوقة تساهم في تغيير ثقافة العمارة الراهنة للمسجد.

ما الذي كنا نهدف له من تنظيم هذه المسابقة، خلافاً للوصول إلى تصاميم يمكن أن تخلق بيئة مسجدية مغايرة لتلك التي نعهدها؟ يعيدنا هذا السؤال للمفاهيم والمبادئ الأساسية التي نحاول أن نؤسس لها حول عمارة المسجد المهملة بشكل واضح في مهنة العمارة في وقتنا المعاصر حتى في الدول الإسلامية. لقد كان ثمة اتفاق بين منظمي المسابقة وهو أننا نبحث عن الذي لم نفكر فيه من قبل. ويبدو أن هذا البحث الغامض الذي لن نستطيع الوصول له من خلال محاولاتنا الفردية يحتاج إلى توسيع رقعة المشاركة وفتح الباب أمام الجميع، مهنيين وطلاب مكاتب محترفة ومعماريين مستقلين، ذكوراً وإناثاً، للمشاركة في صنع هذه الأفكار التي نتوقع أنها لم تخطر على بالنا من قبل. فهل تحقق الهدف الذي كنا نسعى له؟ لا أستطيع أن أقدم إجابة كاملة على هذا السؤال، ولكن إحدى المسائل التي فكرنا فيها أن الطلاب يمكن أن يقدموا أفكاراً لم تخطر لنا على بال، ولكن هذا لم يحدث، وهذا ما يجعلني شخصياً أضع أكثر من علامة استفهام حول التعليم المعماري الذي أصبح يفتقر للخيال.

يفترض أن المسابقة المعمارية تحث على استكشاف الأفكار الغامضة، فهي مبنية على الجرأة وخوض الأفكار غير المعهودة، وعندما يفتقر المعماري لهذه الصفات غالباً ما يقع في شرك التكرار والسير وفق الخط الفكري العام، وهذا ما كنا نريد أن نتجاوزه.

بعض الأفكار التي تقدمت للمسابقة غير معهودة، سواء تلك التي تم اختيارها في القائمة القصيرة أو لم يتم اختيارها، كثير من المشاركات تبين الإمكانات المهولة التي يتمتع بها تصميم المسجد، الذي يبدو أنه مفتوح على خيال غير محدود ومؤهل كي يساهم في صنع هوية بصرية مغايرة لمدننا في المستقبل، ويظهر لي أن كسر مزيد من القيود المحيطة بعمارة المسجد، خصوصاً من الناحية البصرية والتشكيلية، سوف يتيح فرصاً كبيرة لإعادة تعريف ماهية عمارة المسجد في المستقبل.

لعلي أختم بالتطرق لثقافة المنافسة التي تتيحها المسابقة المعمارية، فكلما اتسعت رقعة المنافسة كلما كانت هناك فرصة لتشخيص التوجهات الفكرية العامة حول موضوع محدد، ولعلنا هنا نشير إلى أن مسابقة رتال العالمية لتصميم المساجد أتاحت الفرصة لفهم التصور العام لتصميم المساجد لدى قطاع كبير من المعماريين والطلاب في مجتمعات وثقافات عدة، وأكدت أن هناك إشكالية في التعليم المعماري، أو أن هناك تراجعاً غير مرئي في العملية التعليمية تؤثر بشكل تدريجي على الجرأة المعمارية التي عادة ما يتمتع بها طلاب العمارة أكثر من الممارسين في سوق العمل. ولعلنا نحتاج إلى فهم أسباب هذه الظاهرة الجديدة، ولماذا تسللت إلى مناخ التعليم المعماري وعكرته؟