يُعد النظام المصرفي إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد، والتنمية الاقتصادية لا تحقق أهدافها إلا بوجود نظام مصرفي قوي قادر على تلبية احتياجات القطاعات الاقتصادية، وظيفة المصارف هي تنمية الودائع المصرفية ثم إقراضها للشركات والأفراد، وما نشاهده من حركة صناعية وتجارية ومعمارية وتملك للأصول والاستثمارات الأخرى، ما هي إلا نتيجة لحركة الأموال التي تديرها المصارف، وخروج الأموال عن هذا المسار قد يكون له تبعات سلبية على الاقتصاد، المصارف المركزية تقوم بمراقبة حركة الأموال والتأكد من عدم استخدامها في الأنشطة الخارجة عن القانون، كذلك التقليل من حجم النقد المتداول خارج المصارف من أجل الاستفادة القصوى من السيولة داخل النظام المصرفي، كما أن لها دورا محوريا في الرقابة على البنوك والتأكد من إجراءاتها والتزاماتها وعدم تعرضها للمخاطر التشغيلية والائتمانية، وتقبل المصارف المركزية ودائع المصارف، وعندما يواجه أحد المصارف مصاعب كبيرة بسبب سحب العديد من عملائه ودائعهم فجأة، فإن ذلك المصرف يلجأ إلى المصرف المركزي لاقتراض ما يحتاجه، هذه الآلية لعمل المصارف منذ مئات السنين، ولم تتغير إلا الإجراءات الرقابية التي يتم تحديثها بعد كل أزمة اقتصادية يمر بها العالم وانكشاف بعض الثغرات ليتم سدها فورا بمزيد من الإجراءات التي تخفض المخاطر واصدر التوصيات لتحسين جودة الأصول في المصارف والتأكد من قدرتها على تحمل الصدمات الاقتصادية ومن الجهات الرقابية المهمة في العالم لجنة بازل للرقابة المصرفية التي تأسست عام 1974 وتهدف إلى تعزيز فهم القضايا الإشرافية وتحسين جودة الرقابة المصرفية في جميع أنحاء العالم، كما أنها تضع مبادئ توجيهية ومعايير في مجالات مختلفة، من أشهرها المعايير الدولية لكفاية رأس المال والمبادئ الأساسية للرقابة المصرفية الفعالة.

الذهب من الأصول الرئيسة في الاقتصاد وظل دوره محوريا في النظام النقدي الدولي إلى أن انهار نظام بريتون وودز لأسعار الصرف الثابتة في عام 1973 وبدأ هذا الدور في الانحسار، غير أن الذهب يظل واحدًا من الأصول المهمة في احتياطيات العديد من البلدان ولا يخلو أي مصرف مركزي من وجود احتياطيات في خزائنها منه إلا أن هذه الأصول من الذهب تناقصت مع نمو الاقتصادات وعدم قدرة إنتاج الذهب على مجاراة سرعة نمو الاقتصاد فأصبح الدولار هو العملة الرئيسة التي تحتفظ بها المصارف المركزية، وتكمن قيمة الذهب في أنه مستودع للثروة وملاذ أمان في أوقات الأزمات، إلا أن العائد منه على الاقتصاد قد يكون محدودًا في عملية استخراجه وبيعه ثم صناعته كحلي للزينة، أو العائد من عمليات التداول في البورصات العالمية، لكن الاحتفاظ به في الخزائن دون تحريكه في الاقتصاد فهذا يعتبر تعطيل للثروة وحرمان التنمية الاقتصادية منه.

أما العملات المشفرة التي ظهرت مؤخرًا فإنها لا تخضع إلى أي رقابة وتسمح بحرية حركة الأموال بعيدًا على الأنظمة المصرفية فلذلك هي قناة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب بعيدًا عن الرقابة، والمشكلة الأخرى أن تعدين العملات المشفرة يستهلك حجما هائلا من الكهرباء، عملة البيتكوين على سبيل المثال تستهلك 131 تيراواط في الساعة من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي البالغ 22.315 ألف تيراواط في الساعة وبذلك يحتاج تعدين عملة البيتكوين وحدها كهرباء توزاي تقريباً الحجم اللازم سنوياً لإنتاج الذهب الذي يستهلك 131 تيراوط في الساعة سنوياً، ومن أثارها السلبية على الاقتصاد أنها ساهمت في خروج أكثر من تريلون دولار من النظام المصرفي، وحرمت الاقتصاد من هذه السيولة العالية التي لو بقيت لساهمت في تخفيف الأعباء الاقتصادية التي يواجهها العالم، العملات المشفرة تم تصنيفها كأحد الأصول الخطيرة في الأسواق المالية بسبب التقلبات الهائلة وغير المنتظمة في أسعارها، بالإضافة إلى احتمال حدوث قرصنة أو خطأ بشري، ولذلك فإن الأموال التي ضُخت في العملات المشفرة قد يفقدها الاقتصاد، وقد تنخفض أسعارها إلى الصفر وقد رأينا خلال الأيام الماضية وصول بعض منها إلى هذا المستوى، أما عملة البيتكوين فقد تراجعت قيمتها من أعلى قمة وصلت لها عند 67 ألف دولار في 8 نوفمبر 2021 إلى 20 ألف دولار في 16 يونيو 2022 بنسبة تراجع قاربت الـ70 % ولذلك نعتقد أن العملات المشفرة ما هي إلا خدعة غررت بالمستثمرين وتبخرت أموالهم نتيجة تلك الخدعة، ولن تستمر هذه الخدعة طويلًا، أما العملات الرقمية التي تسعى المصارف المركزية لإصدارها بديلًا عن النقد التقليدي، فهذه التي سيكتب لها النجاح والاستمرار متى ما كانت آلية تداولها سهلة وقدمت لمستخدميها الحوافز للتعامل بها بديلًا عن العملات الورقية.