يعترف سيغموند فرويد قائلاً: "حيثما أذهب أجد الشعراء قد سبقوني"، في إشارة واضحة إلى أن اكتشافات الذات بكل تناقضاتها بدأها الشعراء طارحين أسئلتهم الخطيرة حول ما يحدث في عوالمنا الداخلية التي قد نعيش طويلاً دون معرفتها.

في العالم الداخلي للإنسان نجد كمّاً هائلاً من المشاعر، لا نسعى في الغالب لفهمها بل ننصاع لها دون تفكير، وهذا لأنّنا منشغلون بالحياة الخارجية، فلا نأخذ الوقت الكافي للتعمّق في أنفسنا، إلاّ إذا أنهكنا التعب النفسي، وكان لدينا وعي كافٍ بذلك، فنبدأ بالتفكير والنظر إلى تلك الأعماق الخفية وما يحدث فيها من اهتزازات.

في كتابه "الحياة الدّاخلية" يطرح د. كريستوف أندريه -طبيب أعصاب ومحلل نفسي فرنسي- من خلال أربعين تمريناً صغيراً كيفية استكشاف ذواتنا لفهمها وفهم من حولنا. ويذكّرنا بمقولة للشاعر والفيلسوف الألماني نوفاليس: "يسكن العقل حيث يتلامس العالم الداخلي والعالم الخارجي"، وقبل هذا التّلامس يعيش الفرد غريباً عن ذاته، مسلوب الإرادة، رهينة لنقاط ضعفه، جاهلاً لقوّته الدّاخلية التي جعلها الله له سلاحاً ليعيش بطرق أكثر ذكاء.

يستعمل الدكتور أندريه كلماته بدقة عالية مبتعداً تماماً عن ذكر كلمة الروح أو العالم الروحي، لأن البعد الذي يتحدّث عنه هنا ليس دينياً، بل علمياً محضاً، موضِّحاً أن الحياة الدّاخليّة لا تعني الروح. وهذا الحذر في استعمال الكلمات هو ما يحدّد بالضبط ما يريدنا أن ندركه.

الحياة الداخلية وفق تعريفه المقتضب هي "تدفُّق الأفكار والذكريات والمشاعر العاطفية والجسدية، التي يتم صنعها باستمرار وتفكيكها في أعماقنا، قد يكون مجرّد همس بعيد، ولكن بالنسبة لأولئك الذين يعرفون كيفية الاستماع إليه فهو مصدر غير عادي للدروس ومعرفة الذات". بالنسبة لحياتنا اليومية التي تحوّلت لمسطّح يشبه مسرحاً استعراضياً لا ينتهي، تبقى الكواليس منسية، بكل ما تزخر به من عناصر ضرورية ومُلِحّة لخلق توازننا العاطفي والحفاظ على حريّتنا ورؤية إمكاناتنا الإبداعية.

في الظروف العادية لأي شخص لا يرى تلك الأعماق، ينزلق إلى غوايات مشاعره اللاّمفهومة، والغضب، والحقد والكراهية والغيرة والرّغبة في امتلاك أموال ومكاسب مادية، وطبعاً بسهولة يقع فريسة أطماعه التي لا يعرف منابعها ولا أسباب تدفقها في داخله، وبدل أن يكون سيداً على نفسه، ينقاد بتلك المشاعر الفاجرة سالكاً طريقاً مرعباً نحو مجدٍ وهمي. يدخل في حروب وصراعات، ويترك خلفه دماراً لا يوصف، ولعلّه ينتبه أن حياته سُرِقت منه بالكامل في لحظة انتصاره وحصوله على كل ما يريد، في تلك اللحظة دون غيرها سيدرك أن مغامرته كانت مجرّد معاناة نحو مجدٍ زائف.

ينبّهنا كريستوف أندريه إلى أنّنا بحاجة لإطفاء هواتفنا أحياناً، والاختلاء بأنفسنا، والإصغاء للهمس الذي يأتينا من الدّاخل، ينصحنا نصيحة ذهبية وهي أن "ممارسة القراءة نوع من التأمُّل"، وأن ساعة من القراءة اختراق للبوّابة السحرية الفاصلة بين الوهم والحقيقة!