مشكلات العصر الكبرى اليوم تتحدَّى أفضل العقول؛ لأن الأمر تجاوز تخصُّصات جامعية معيَّنة، كانت في السابق تستطيع أن تُقدِّم الحلَّ الحاسم للمشكلة، وذلك قبل بروز «المشكلات الشريرة»، التي تُميِّز الحقبة الحالية، والمتطلَّبة لبيئات معيَّنة للتعامل معها، من خلال ما يتوافر للجامعات البحثية من إمكانات وموارد وعقول، وفرق عمل من تخصُّصات مختلفة تعمل بروح فريق واحد..

"جائحة كورونا" هددت بشكل قوي التقدم المحرز في مجال التعليم عالمياً من خلال صدمتين رئيستين، الإغلاق شبه العالمي الذي كان للمدارس على مستوى جميع المراحل، والذي أدى بدوره إلى إغلاق المدارس وبالتالي خسائر كبيرة في التعلّم، وزيادة معدلات التسرب، وازدياد عدم المساواة في تعليم البشر من دولةٍ إلى أخرى.. والثانية في الركود الاقتصادي الناجم عن تدابير مكافحة الجائحة، وتفاقم الأضرار، من خلال خفض جانبي العرض والطلب في مجال "التعليم"، نظراً للضرر الذي لحق بالأسر معيشياً، وبالتالي ألحقت الصدمتان كليهما الضرر برأس المال البشري ورفاهيته على الأمد الطويل.

أنظمة التعليم العالمية المختلفة تصدت لها في معرض تنفيذها ببعض السياسات، بالسعي السريع والمكثف إلى التعافي دون أن تعيد تكرار أخطاء الماضي، حيث كان الوضع قبل تفشي الجائحة في العديد من البلدان يتسم أصلاً بتدني مستوى التعلم، وارتفاع نسب عدم المساواة، وبطء وتيرة التقدم.. مع فرص سانحة أمام البلدان لإعادة البناء على نحو أفضل، فالبعض فعلاً جعل من الاستراتيجيات الأنجع التي تتبعها للتعافي من الأزمة منطلقاً لإدخال تحسينات طويلة الأجل في مجالات التقييم، والتربية، والتكنولوجيا، والتمويل، وكذلك "التخصصات الشريرة" وهندسة بنائها في الجامعات!

ومع الأحداث العالمية المتسارعة اليوم تضع "الجامعات" رهن مسؤولياتها الجسيمة، بأن تكون أكثر المؤسسات ملاءة لتجمّع وإنتاج أفضل العقول وتقديم أنجع الحلول بثقافة "نوعيّة"؛ بتشجيع البحث عن المعرفة وتحويلها إلى تطبيقات عملية تحت مظلة تطوير العالم والمجتمعات والحيوات، وذاك ما يفرض عليها أن تتصدر مواجهة المشكلات والتحدِّيات المعاصرة باستشرافها وبحجمها وتعقيداتها، وما يتطلّب مقاربات مختلفة ذات خصائص جديدة وموارد غير مسبوقة؛ لتتكامل مع التخصصات الأكاديمية التقليدية.

أستاذ جامعة هارفارد السابق، ومؤلف كتاب "أمة الابتكار" جون كاو أطلق مؤخراً اسم المشكلات الشريرة (wicked problems) على الاضطرابات الطبيعية وغير الطبيعية التي تمر على الكرة الأرضية وبشريتها، مثل التغيُّر المناخي، التدهور البيئي، الأمراض المعدية، والفقر المدقع.. وذكر أن كلها وغيرها من هذا النسق لا تحظى بحلول محدّدة عن طريق تخصّصات علمية جامعية محدَّدة، بل جميعها تتطلَّب تعاملاً جديداً مع مفهوم "الابتكار"، حيث يتم تكريس عدد كبير من التخصُّصات؛ لوضع خارطة طريق لأسلوب عملٍ ذي طبيعة مستدامة، وعلى الرغم من صعوبة التعاطي مع "المشكلات الشريرة"، إلاّ أنه يُمكن النظر إليها كفرص تدفع بالجامعات إلى التحرُّر من النموذج الهرمي التقليدي، والقيام بتغيير أسلوب تفعيل عملية "الابتكار".

وفي منعطف آخر، نجد طلاب الألفية الثالثة في الجامعات المتقدمة، يتعاملون مع تعليمهم وعالمهم بعقلية جديدة ومختلفة، وهي عقلية تُفضِّل عادة النتائج على الإجراءات، وتُحبِّذ التراكم المعرفي عبر أشكال معقَّدة من ضمنها حديثاً تفعيل "التواصل الاجتماعي"!

ولأن جيل الألفية يعدون أنفسهم رواد أعمال، فإن أدواتهم المتاحة تجعلهم راغبين بتحدٍ وإصرار في التصدي للمشكلات الصعبة، وسيكون هذا الجيل من الطلاب والقادم شريكاً مهماً للجامعات البحثية في مواجهتها لمشكلات العصر، وسيكونون كما يرى هولدن ثوب وباك قولدستاين في كتابهما "محركات الابتكار" قادةً للتغيير، دافعين التركيبة الأكاديمية لتقوم بجهد أكبر، وطارحين خلفهم الحالة الهرمية التقليدية في الجامعات للنقد، وهم بذلك يُصبحون قوة أخرى تدفع بالجامعة نحو مقاربات "ريادة الأعمال" للتحدِّيات الكبرى.

مشكلات العصر الكبرى اليوم تتحدَّى أفضل العقول؛ لأن الأمر تجاوز تخصُّصات جامعية معيَّنة، كانت في السابق تستطيع أن تُقدِّم الحلَّ الحاسم للمشكلة، وذلك قبل بروز "المشكلات الشريرة"، التي تُميِّز الحقبة الحالية، والمتطلَّبة لبيئات معيَّنة للتعامل معها، من خلال ما يتوافر للجامعات البحثية من إمكانات وموارد وعقول، وفرق عمل من تخصُّصات مختلفة تعمل بروح فريق واحد، منها ما هو تقليدي كلاسيكي، وإبداعي ابتكاري؛ لتُصبح المكان الأنسب لهذه البيئة، خلطةً ريادية وترسيخاً ابتكارياً، وهذا ما تتوقَّعه المجتمعات منها، ليبقى سؤالا المقالة هل سنرى تخصص "المشكلات الشريرة" في جامعاتنا، وسؤال أكبر هل سنرى تحوّل بعض جامعاتنا إلى جامعاتٍ بحثيةٍ فقط؟ وهل ستواجه الجامعات البحثية مشكلات العصر فعلاً؟