يجب أن لا يخفي الضباب السياسي الذي تشكله مختلف أجهزة وأدوات تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية الهدف الحقيقي في العراق سواء هذه الأجهزة الإعلامية أو الدعائية أو العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية أو حتى الإنسانية، يجب على المراقب السياسي والمتابع السياسي والمواطن العادي أن يرى الحقيقة واضحة وكاملة والتي فيها تحدد أهداف الولايات المتحدة الأمريكية في العراق.

لقد غلفت الإدارة الأمريكية سياستها واستراتيجيتها في العراق تحت مفهوم أسلحة الدمار الشامل وكان العالم يعرف أن هذه فقط غطاء سياسي من أجل تغليف وتبرير سياستها في العراق، وأخذ هذا الغطاء في التحول من محاربة التسلح النووي والكيميائي في العراق إلى أن العراق ساحة حرب ضد الإرهاب، وهذه المعزوفة أخذت السياسة الأمريكية ترددها في الآونة الأخيرة من أجل تبرير السلوك السياسي الأمريكي الفاقد الخبرة والمعرفة والحس الإنساني والبشري السوي والطبيعي.

إن الهدف الأمريكي في العراق وبكل وضوح هو النفط وليس شيئاً سوى النفط هذا العامل الهام يصبح يشكل رابطاً هاما لحزمة من العوامل والأهداف السياسية والاستراتيجية النابعة والمنبثقة من النفط ومن أهمها الهيمنة السياسية على العراق ثم العالم العربي والهيمنة على السوق النفطي الدولي والتأثير الكبير على أوروبا وآسيا مستخدمة التأثير الهام على النفط والطاقة.

إن مفهوم محاربة الإرهاب أصبح أحد سمات مبررات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط فإذا ما أرادت الإدارة الأمريكية التدخل في أي دولة بشكل مباشر أو غير مباشر فإن مفهوم محاربة الإرهاب هو العامل الهائل والكبير هنا وأصبح أحد المبررات للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مثل مبرر محاربة المخدرات في أمريكا اللاتينية وحقوق الإنسان في آسيا وحرية التجارة في أوروبا والفساد السياسي في أفريقيا.

يجب أن لا يغيب عن المراقب السياسي أبداً أن النفط العراقي كان الهدف الأكبر للسياسة الخارجية الأمريكية والحرب الأمريكية على العراق، وأن تحقيق الهيمنة على النفط العراقي أصبح هدفا حيويا للإدارة الأمريكية وشركاتها النفطية.. وبالفعل فإن أغلب الشركات النفطية هي مرتبطة بأهم الشخصيات السياسية في الإدارة الأمريكية وأن السلوك السياسي الأمريكي في العراق أخذ يحول النفط العراقي من هدف للسياسة الأمريكية حيوي إلى هدف لا يمكن التنازل عنه.

إن تحول السياسة الأمريكية تجاه النفط العراقي من هدف حيوي إلى هدف لا يمكن التنازل عنه جاء كنتيجة طبيعية إلى الفشل الذريع والكبير للمخطط الأمريكي في العراق الذي لم يكن مرتبطاً بالواقع وكان قائما على أساس الانهيار السريع للنظام لم يرتبط بانصياع اجتماعي ووطني سريع بل كانت المقاومة العراقية عاملا من عوامل هذا التحول بالهدف وبالتالي بالسياسة التي تقود إلى تحقيق الهدف.

لقد فشلت السياسة الأمريكية في ربط الفسيفساء الاجتماعية والعرقية والدينية العراقية من أجل تحقيق الهدف السياسي الأمريكي بالهيمنة على النفط العراقي وبالتالي على العراق، ولذلك فإن السياسة الأمريكية أخذت تستل من التاريخ البريطاني فلسفة وسياسة فرق تسد، وأن الأحداث الأخيرة في الموصل بين التركمان والأكراد والنزاع المرير بين الطرفين ثم بين العرب أنفسهم خصوصاً بين أنصار النظام السابق ومناوئيه من العرب ثم بعد ذلك بين فرق الشيعة في العراق، أي بين الحوزة الناطقة والحوزة الصامتة ثم بين الحوزة الموالية لإيران والحوزة التي تبحث عن دور رئيسي ومركزي لشيعة العراق وأماكنه التاريخية الهامة، ثم بعد ذلك ذهبت الإدارة الأمريكية لتثبيت هذه السياسة عبر مجلس الحكم العراقي الذي تشكل على أسس طائفية وعرقية، بل إن وزاراته المنبثقة عنه كانت على ذات الأسس وذات التوجه العرقي الطائفي وكانت آخر عوامل هذه السياسة القائمة على سياسة فرق تسد هو الاهمال الأمني الواضح من أجل دفع العناصر المتطرفة من كل الأطراف لعمل ما يحلو له من جرائم واختطاف وقتل وسلب ونهب من أجل بعث النعرات الطائفية والدينية وأخيراً وليس آخراً العمل المريع والهائل التأثير عند اغتيال محمد باقر الحكيم والذي اغتيل بشكل بشع ومريع مع عدد هائل من المصلين كل ذلك والسياسة الأمريكية اليوم هي أكثر الدافعين والمشجعين للإرهاب والإرهابيين للقيام بهذه الأعمال المدمرة والفظيعة بل إن السياسة الأمريكية هي المستفيدة الأكبر من مثل هذه الأعمال الإرهابية في العراق قد تتوجه أصابع الاتهام لهذا الفريق أو ذاك وقد تتهم هذه الفرقة أو تلك أو هذه الطائفة أو تلك أو هذه الأقلية أو هذه الأكثرية أو تلك بهذا العمل وقد تكون فعلاً قد قامت بهذا العمل إلاّ أن الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت قراراً بغض الطرف والنظر إلى الجهة الأخرى من أجل تشجيع مثل هذه الأعمال من أجل خلق العداوات والتناقضات الداخلية حتى تستطيع خلق توازن قوي وتوازن رعب بين هذه القوى المتناحرة من أجل أن تكون الإدارة الأمريكية والقوة الأمريكية في العراق هي المرجع الوحيد والمرجح الوحيد لهذه التوازنات وهذه التناحرات في العراق من أجل تشتيت النظر والاهتمام عن الهدف السياسي الأمريكي وهو النفط.

إن النفط هو الهدف السياسي الأهم والأكبر للسياسة الخارجية الأمريكية في العراق وإذا كان ذلك يتحقق بآخر نقطة دم عراقية أو عربية فإن ذلك مقبول من اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية حتى وإن كانت هذه السياسة فاقدة للحس الإنساني والبشري الطبيعي.

والسؤال: هو كيف يتم استثمار سياسة فرق تسد في العراق التي تنتهجها الإدارة الأمريكية من قبل الحكومة الإسرائيلية بقيادة الزعيم الأكثر إنسانية السيد شارون؟!!

هذا ما سوف تكشفه لنا الأيام والشهور القادمة.