في لمح البصر استطاع «تويتر» بطبيعته البسيطة، ودوره المعقد في الوقت نفسه، أن يحل محل أنظمة البث للأحداث الطارئة والمتبعة إعلامياً في إدارة الأزمات منذ العام 1963م، حتى غدا بداية الطريق نحو إدارة احترافية ناجحة للأزمات..

في وقت الأزمات المؤسسية تتشتت الأفكار وتتبعثر المجهودات ولا مفر من بعض الزلات، والاستجابة السريعة تجتذب وتكتسب أصحاب العقليات القديرة بثقة واحترام العديد من الجهات وتزداد أهميتهم في وقت الأزمات لا شك. وتحتل إدارات التواصل المؤسسي بكل صورها المركز المهم بين غيرها من الإدارات من حيث الأهمية في مجال "الأزمات وإدارة المخاطر" تحديداً.

فاختصاصي العلاقات العامة الناجح يثمن جهود الوسائل الإعلامية ويُقدر العمل المضني الذي يبذله متخصصوها، وهو من ثمّ لا يتوانى عن إمدادهم بأدق المعلومات وأصدق الإجابات، وليس هناك ما يثير حنق أجهزة الإعلام أكثر من نقص الإجابات الدقيقة والفورية وقت الأزمات، بل ويزداد الوضع سوءًا إذا ما استشعرت نوعًا من التضليل، أو التغطية، أو ما شابهها من أشياء لا تمت للشفافية بصلة!

وهذا يجعلنا نتجه إلى القيم الجوهرية حيث تعد من أهم متطلبات المهام المؤسسية، حيث تُرسي المهمة المؤسسية بدورها سياسة المؤسسة التواصلية مع العالم الخارجي. ولكي تترسخ هذه القيم في سياسة المؤسسة على أكمل وجه لا بد من تضافر الجهود الداخلية والعلاقات الخارجية، قبل أن تصل أحياناً المؤسسة أو الجهة أو الوزارة في النهاية إلى "فضيحة" تتناقلها الألسنة وتصبح خبر الموسم!

وفي منعطف آخر، نجد اليوم تحديداً انقلاب الموازين في عالم الاتصال ودنيا المعلومات وثورتها المتسارعة، فالأخبار السيئة تنتشر كالنار في الهشيم، وكل إنسان أصبح يلعب دور الصحفي، والمراسل، والمذيع، والمصور، والناشر، بل ورئيس التحرير ومدير القناة أحيانًا، حتى غدت أمورنا وحياتنا الخاصة تتحول إلى موضوعات عامة ترددها الألسن!

وعلى الصعيد الآخر، نجد تجاوز كم المعلومات المتاحة عن الأفراد اليوم كل الحدود وبشكل غير معهود، ونظرًا إلى تضاؤل قدرتنا على التحكم في كم ونوعية المعلومات المتداولة عنا يومًا بعد الآخر، فقد أدى ذلك إلى طفرة إدارية في نظم الاتصالات التقليدية، فرسالة بريدية واحدة، أو تقرير مغلوط على أحد المواقع الاجتماعية، أو حتى تعليق مسيء على موقع "فيسبوك"، والذي يزيد نسبة عدد مستخدميه على 2.121 مليار عالميًا، أو "تغريدة" تويترية من شأنها أن تودي بسمعتك أو سمعة مؤسسة أو مسؤول أو دولة للهاوية والإحراج في الحال وربما إلى الأبد!

آلان بيرنشتين وسيندي مؤلفا كتاب "العلاقات العامة واستراتيجيات إدارة الأزمات" يقولان: وما الدنيا إلا "تغريدة"!، فاليوم يصل عدد مستخدمي "تويتر" ما مجموعه 1.3 مليار حساب، منهم 330 مليون مستخدم يومي نشط، وما زالت الأعداد في تزايد مستمر، ويتمتع فيه رؤساء الدول وكبار المشاهير ورجال الأعمال بآلاف المتابعين لحساباتهم الخاصة على موقع "تويتر" بما في ذلك: ترمب، وأوبرا، وأشتون كوتشر، وأوباما.. وكثير من المؤسسات والعلامات التجارية العالمية.

وفي المنعطف نفسه، نجد أن الثورة "التغريدية" أحدثت طفرة في عالم الأخبار والمعلومات، وقد بات الدور الصحفي والإعلامي الذي يتبناه المستخدمون لهذا الموقع سببًا في احتدام المنافسة بينهم وبين وسائل الإعلام التقليدية كمصادر للمعلومات، فلم يعد بإمكان البرامج التلفزيونية ولا الصحف والمجلات الإخبارية أن تنفرد - كما اعتادت - بالعناوين والأخبار الحصرية، حتى الشركات الإعلامية نفسها أصبحت منصة "تويتر" وسيلة للتنويه عن أهم وأحدث الأخبار بما في ذلك قنوات: سي إن إن، ونيويورك تايمز، ووول ستريت، وفوكس نيوز.. وكثيرًا ما تقوم بعض هذه المؤسسات الإعلامية بنشر الأخبار المثيرة للجدل - فيما يُعرف بـ"الفرقعة الإعلامية" - عبر "تويتر" للانفراد بالنشر والسبق والمتابعة.

ولم يقتصر مفعول هذا الموقع الاجتماعي السحري على الجانب الإعلامي والتجاري فقط، بل كان للهيئات والقطاعات الحكومية نصيب في هذا، حيث بدأت هذه الهيئات في الاتجاه نحو هذه التكنولوجيا الحديثة كوسيلة لنشر وبث الأحداث الطارئة، كما شرعت الحكومات في خلق جسور من التواصل مع مواطنيها من خلال المواقع الاجتماعية للتنويه عن الكوارث والحوادث الطارئة عبر "تويتر" والذي كان له نصيب الأسد من هذه الاستخدامات، ولعلنا عشنا تجربة الأخبار الصحية كتطورات "كوفيد 19"، وقبله الكثير من الأمراض والأوبئة، ومستجدات الظواهر الطبيعية الكارثية كالفيضانات، والأعاصير، والحرائق.. وما يترتب عليها من عمليات تهجير وإخلاء.

وعوداً على بدء وأخيرًا، استطاع "تويتر" بطبيعته البسيطة، ودوره المعقد في الوقت نفسه، أن يحل محل أنظمة البث للأحداث الطارئة والمتبعة إعلامياً في إدارة الأزمات منذ العام 1963م في لمح البصر، حتى غدا بداية الطريق نحو إدارة احترافية ناجحة للأزمات!