أول شركة وطنية مُرخصة تأسست في المملكة العربية السعودية لممارسة مختلف أنواع التأمين وفقًا للمبدأ التعاوني المُجاز شرعًا، هي شركة التعاونية للتأمين وكان ذلك في عام 1986م - كشركة حكومية مساهمة مغلقة - من قبل صندوق الاستثمارات العامة والتأمينات والتقاعد وبلغ رأسمالها عند التأسيس 500 مليون ريال سعودي، وبعد 18 سنة من العمل وترسيخ مبدأ التأمين التعاوني ونجاح التجربة والخبرة التي اكتسبتها الشركة في هذا المجال قررت الحكومة طرح أسهمها للاكتتاب في السوق المالية السعودية وقبلها صدرت لها رخصة التأمين من ساما بعد أن استوفت الشروط والمتطلبات التنظيمية التي حددها نظام التأمين التعاوني في المملكة العربية السعودية، وتم تداول سهم الشركة لأول مرة في يناير 2005م وعلى مدى السنوات الماضية رفعت الشركة رأسمالها إلى 1,250 مليون ريال وعلى الرغم من الأزمات المالية التي تعرض لها قطاع التأمين فإن شركة التعاونية لم تخفض رأسمالها ولم تصدر حقوق أولوية من أجل تغطية الخسائر المتراكمة وإنما تم رفع رأس المال عبر منح أسهم مجانية للمساهمين، أما شركة بوبا وهي المتخصصة في التأمين الصحي فإن تركيزها على منتج تأميني واحد مكنها من تجاوز الأزمات ونجحت في إدارة المخاطر، وهاتان الشركتان هما المسيطرتان على سوق التأمين السعودي بحصة 60 % تقريبًا.

هذه المقدمة ما هي إلا توطئة للحديث عن شركات التأمين الأخرى التي ولدت مترهلة فمعظم شركات التأمين المدرجة في السوق المالية السعودية كانت مكاتب تمثيل لشركات تأمين إقليمية أو عالمية لأن النظام في المملكة كان لا يسمح بتأسيس شركات تأمين فكانت شركات التأمين تمارس عملياتها عن طريق وكلاء لهذه الشركات، وكانت الأموال المتحصلة من وثائق التأمين تتحول إلى خارج المملكة، أدركت الحكومة خطأ عدم السماح بتأسيس شركات تأمين فقررت توجيه ساما بوضع نظام تأمين يسمح بتأسيس شركات سعودية لمزاولة أعمال التأمين وفق مبدأ التأمين التعاوني، صدر نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني الصادر بالمرسوم الملكي في عام 2003 وكان النظام يشترط أن تكون الشركة مساهمة عامة عن طريق الاكتتاب، وبرأس مال لا يقل عن 100 مليون ريال، هذه الشروط السهلة ساهمت في تأسيس 31 شركة جديدة ولكنها شركات ضعيفة ظلت تعاني على مدى السنوات الماضية من الخسائر المتراكمة فتحولت معظم الشركات للعمل على إطفاء الخسائر المتراكمة بخفض ورفع رأس المال عن طريق إصدار حقوق أولوية وما يتبع ذلك من مصاريف عالية تدفعها الشركة للمستشار المالي ومتعهد التغطية، البنك المركزي السعودي أدرك حجم المشكلة بعد أن أفلست بعض الشركات، فرفع شرط رأس المال من 100 مليون إلى 500 مليون ريال وحفز الشركات على الاندماج من أجل تخفيف الأعباء المالية والقدرة على الاستمرارية، إلا أن الاندماجات التي حصلت بين الشركات لم تحدث تغيرًا جوهريًا يذكر على الشركات المندمجة، على سبيل المثال، شركة اتحاد الخليج الأهلية اندمجت مع الشركة الأهلية للتأمين التعاوني في نهاية عام 2020 وبذلك ارتفع رأس المال من 150 مليوناً إلى 229 مليون ريال، ولكن هذا الاندماج لم يحقق الغرض منه لأن الشركتين ضعيفتان فاستمر الضعف بل زاد، وبلغت خسائرها المتراكمة مع نهاية الربع الأول أكثر من 50 % من رأس المال مما دفع الشركة لإصدار أسهم حقوق أولوية من أجل زيادة رأس المال إلى 459 مليون ريال، المشكلة ليست هنا فقط بل إن الاكتتاب في أسهم حقوق الأولوية لم تتم تغطية من ملاك الحقوق إلا بنسبة 27 % وهذا يدل على أن المساهمين فقدوا الثقة في إدارة الشركة، وكإجراء نظامي قامت الشركة بعد انتهاء فترة الاكتتاب بطرح الأسهم المتبقية على المؤسسات المالية إلا أن المؤسسات أيضًا لم تغطِ إلا نسبة 25 % وقد تحمل متعهد التغطية شراء الأسهم المتبقية والتي بلغت 12.5 مليون سهم ما يمثل نسبة 75 % من الأسهم المطروحة، وهذا العزوف عن الاكتتاب في حقوق الأولوية سوف يكون له تبعات سلبية على الشركة مستقبلًا إن أرادت طرح حقوق أولوية جديدة، وربما لن تجد متعهد تغطية. هذه السلبية التي تعاني منها شركات التأمين السعودية لن تتلاشي إلا بعمليات اندماج قوية بين شركات التأمين ولأن الاندماجات التي حصلت بين شركتين لم تثبت جدواها فإن الحل الوحيد لهذه المشكلة والتي تضمن استمرارية شركات التأمين هو الاندماج بين عدة شركات وتكون اندماجات مدروسة بحيث تحقق التكامل بين الشركات المندمجة وأن يراعى فيها القدرة على المنافسة في ظل سيطرة شركتين على سوق التأمين السعودي، تجربة شركة التعاونية للتأمين نجحت لأنها ولدت قوية من البداية، وكذلك نجحت بوبا لأنها تخصصت في منتج تأميني واحد، وإن أرادت شركات التأمين الاستمرار فليس لها إلا أن تتبع طريق التعاونية أو بوبا والا سوف تبقى صغيرة حتى تفنى.