انطلاقًا من أهمية العنصر البشري في معادلة التنمية يأتي كتاب «الياقة الزرقاء» الذي صدر حديثاً للدكتور خالد بن سعيد الشهراني حول «دور التدريب في تحقيق رؤية المملكة 2030» والذي ناقش منظومة التدريب بالمملكة..

يكاد لا يخلو نقاش بين المهتمين بالتعليم والتدريب من ذكر مسألة التفاوت من مهارات الخريجين واحتياجات سوق العمل، ما يجعلنا نتساءل عن مكمن الخلل، هل رتم التغيير بطيء في مؤسساتنا التعليمية والتدريبية، أم أن سوق العمل أصبح سريعاً؟ أم أن الفجوة في المهارات تتجاوز حديثي التخرج إلى من هم حالياً على رأس العمل!

هنا يأتي دور التدريب لسد هذا الاحتياج المتجدد والمستمر، وللمتابع يجد أن الاهتمام بالتدريب عالمياً نابعٌ من الدور المهم للمهارات في رفع تأهيل الأفراد الذي يؤدي إلى زيادة العائد الاقتصادي، كما أن من أوجه هذا الاهتمام أن التدريب المهني في كثير من دول العالم المتقدمة اقتصاديًا مثل ألمانيا يكون مباشرةً تحت إشراف الحكومة، وبتمويل حكومي، والموظفون العاملون في التدريب المهني يعتبرون موظفين حكوميين، ويأتي في سياق التأكيد على "المهارات" الأمر التنفيذي الذي أصدره رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق دونالد ترمب والموجه لفروع الحكومة الفيدرالية بالتركيز على المهارات بدلًا من الشهادات الجامعية عند اختيار الموظفين الفيدراليين!

المملكة العربية السعودية على الصعيد الحكومي استثمرت في التدريب منذ نشأة النواة الأولى له في سبعينات القرن الماضي وانتشرت بعد ذلك كليات ومعاهد التدريب في مناطق المملكة كافة، فبعض تلك المعاهد والكليات تقوم بتشغيلها المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني بشكل كامل، وبعضها الآخر يشغلها شركاء من دول متقدمة صناعيّا، وقد نجح بعضها وتم إغلاق عدد منها إما لانتهاء الحاجة لها أو لارتفاع كلفتها التشغيلية، وبالتالي عدم استدامة نموذجها المالي. كما انطلق نموذج آخر للمعاهد والأكاديميات التدريبية التي تقوم على شراكات إستراتيجية مع كبرى الشركات المحلية والعالمية، وقد أثبت هذا النموذج للتدريب المبتدئ بالتوظيف نجاحه لارتباطه المباشر بجهات توظيف، ما يزيد جاذبيته للشباب كونه يمثل جسرًا مباشرًا للوظيفة.

وعندما جاء المشروع التنموي الأكبر بقيادة عراب رؤية المملكة 2030 العظيمة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ببرامجها الطموحة ومشاريعها العملاقة، وتماهياً مع متطلباتها تأتي الحاجة الماسة للقدرات البشرية الوطنية المؤهلة، حيث يتزايد عليها الطلب لتنفيذ مستهدفات برامج الرؤية، وقد بدأت عدد من الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية بإنشاء كيانات داخلية وأكاديميات متخصصة لاكتشاف واستقطاب مواهب جديدة من خريجي الثانوية وحملة المؤهلات ما بعد الثانوية والجامعية، وبناء قدراتهم وإعادة تأهيلهم بالتعاون مع شركاء محليين وعالميين لإكسابهم المهارات المناسبة للعمل في تلك المؤسسات أو ليكونوا أكثر جاذبية للجهات الأخرى في سوق العمل.

تلك الجهود أنتجت حراكًا إيجابيّاً في شتى القطاعات والمناطق الجغرافية. فنجد نيوم مثلًا تستقطب أبناء وبنات منطقة تبوك، وكذلك مشروعا "البحر الأحمر" و"أمالا"، وتتكرر القصة نفسها في مشروع "القدية" و"العلا التاريخية" و"تطوير السودة"، إضافة إلى العاصمة الرياض، وما تحويه من عدد كبير من الأكاديميات التعليمية والتدريبية والمهنية والكيانات الحكومية المتخصصة في تنمية القدرات البشرية، وغيرها من مشاريعنا التنموية، ما يساهم في بناء تلك المدن الطموحة بسواعد أبنائها.

وانطلاقًا من أهمية العنصر البشري في معادلة التنمية يأتي كتاب "الياقة الزرقاء" الذي صدر حديثاً للدكتور خالد بن سعيد الشهراني حول "دور التدريب في تحقيق رؤية المملكة 2030" والذي ناقش منظومة التدريب بالمملكة، ومدى ارتباطها بالرؤية، وسلط بعض الضوء على التدريب ودوره في بناء قدرات أبناء وبنات الوطن وتطويرها ليبقى الشباب السعودي منافسًا في سوق العمل المحلي والعالمي.

ومن جميل الكتاب تجاوزه تناول التدريب كممارسة إلى تناوله كمنظومة شاملة مبينًا العوامل التي تؤثر فيه وتتأثر به وصولًا إلى بناء نموذج تدريب وطني تكاملي تتشارك فيه جميع المنظمات المحلية من أجل تبادل المعارف والخبرات التدريبية بين القطاعات في السعودية بجهد وتكلفة، مع استعراضٍ مميز لبعض أفضل الممارسات التدريبية العالمية في هذا المجال، مثل: ألمانيا وكوريا الجنوبية والنمسا، ما يسلط الضوء على شكل علاقة التدريب المهني بسوق العمل في سياقات مختلفة، وما يمكن الاستفادة منه في فهم وتحديد شكل العلاقة الذي يتناسب مع سياقنا المحلي.

مع لفتة مهمة للكتاب نحو وظائف المستقبل وحجم التغير فيها ونوعيتها ومهاراتها في ظل الثورات الصناعية المتتالية والتحول الرقمي، مع تناول رشيق لمنصات التدريب الإلكتروني بوصفها واقعًا جديدًا في ظل التحولات التي نشهدها، وتتطلب التطلع لكل جديد في مجال التدريب المهني والمؤهلات المصغرة وأكاديميات التدريب.

أخيراً، عند قراءتك هذا الكتاب المهم وتحديداً حين تقلب صفحته الأخيرة، يبقى هناك سؤال مفصلي لا بد منه: أين أقف في سباق المنافسة في السوق المحلي والعالمي؟ وهل "مهاراتي" الحالية تعد كافية، أم أن الحاجة لتطويرها بدت وشيكة جدًا؟ وما المهارات المهمة على مستوى المملكة التي يجب عليّ التنبه لها؟ وما الفرص الجديدة التي قد تكون متاحة أمامي كي ألبس الياقة الزرقاء؟

لتبقى بعض الأسئلة وإجاباتها قائمة المهتمين بالتدريب والمشرِّعين له والمستفيدين منه، ولدى أصحاب "الياقات البيضاء" لخلق مساحة مشتركة للتفكير في واقعه ومستقبله!