يخطئ من يحول قضية المسكن عندنا إلى مجرد قضية عدد أو مساحة، إنها -كما أعتقد- قضية استقرار وقضية تواصل لم يعد موجوداً في بيئتنا العمرانية، وإلا بماذا يمكن أن نفسر تغير نمط المسكن أكثر من أربع مرات خلال خمسة عشر عاماً..

لن أحاول انتقاد سياسة الإسكان التي ترمي بكل ثقلها في حضن التمكين الاقتصادي لتملك المساكن، فالموجة العارمة من البيوت المطورة خلال السنوات الأخيرة تحمل في طياتها توجهات عقارية اقتصادية أكثر بكثير من كونها تلبي التنوع الثقافي والاجتماعي للأسرة السعودية، فكيف يمكن أن نحكم على هذا التوجه؟ وهل نستطيع أن ندعي أن هذه المساكن لن تلبي احتياجات التنوع الثقافي وبالتالي سوف تكون عرضة للتغير خلال سنوات قليلة من سكنها؟ هذه الأسئلة عادة تطرحها المؤسسات المسؤولة عن سياسات الإسكان، وغالباً ما تقوم بإجراء دراسات تقييم ما بعد الاستخدام post occupancy evaluation، وهي دراسات تهتم بمدى رضا الساكن عن المسكن حتى يتم تعديل وتطوير المساكن اللاحقة. على أن مثل هذه الدراسات ليست متداولة لدينا، والأمر متروك للشركات العقارية لتقوم بعمل التصميم والتطوير. إذاً أول التحديات التي تواجه المسكن الميسر في المملكة هو افتقاره للتجارب العميقة المرتبطة بثقافة الأسرة السعودية، وتركيزه شبه الكامل على التوجه الاقتصادي الذي يضمن قدرة الساكن على اقتناء المسكن. ما يجعلني أثير هذا الموضوع مراراً وتكراراً هو افتقارنا لما يمكن أن اسميه «المؤشر الثقافي للمسكن» مقارنة بالمؤشر الاقتصادي الذي يهتم به ويتحدث عنه الجميع.

بين عامي 2002 و2003 كنت مستشاراً لمؤسسة الأمير (الملك) عبدالله -رحمه الله- للإسكان التنموي، وقمنا بدراسة حول تجارب المسكن الميسر حول العالم، وقابلنا مجموعة من الخبراء، وتحدثوا عن تجارب عالمية مختلفة أكدت أن للجانب الثقافي دور أساسي في نجاح سياسات الإسكان، وركزوا على مسألة «المسكن الذي ينمو» مع الأسرة ويلبي حاجاتها الاجتماعية الخاصة. لكن هذا التوجه يتعارض بشدة مع مفهوم الإنتاج الإجمالي للسكن Mass Production، فكيف يمكن أن نسد هذه الفجوة؟

عمل المتخصصون حول العالم خلال العقود القليلة الماضية مجموعة من التجارب لم تكن ناجحة كثيراً لكنها كانت تصب فيما يشغل بالهم، وهو كيف يمكن تلبية الاحتياج الثقافي والاجتماعي للأسرة مع التفكير في القدرة الاقتصادية لهذه الأسر؟ فطور «جون هبراكن» من MIT فكرة الـ Support التي ركزت على وضع العناصر الإنشائية الأساسية وفق دراسة عميقة للمقاسات الثقافية المحلية للمسكن، ويقوم السكان بإكمال مساكنهم. وكما ذكرت واجهت هذه الفكرة تعقيدات كثيرة لكنها بينت أن الاعتبارات الثقافية والاجتماعية تمثل أسس السياسات الإسكانية.

أثبتت تجارب تاريخ المسكن السعودي خلال العقود الخمسة الأخيرة، عدم استقرار الأسرة في المسكن وتحولها الدائم إلى مساكن جديدة، وفي هذا دلالة على عدم رضا عن المنتج السكني بشكل عام. ورغم أنه كانت هناك وفرة اقتصادية إلا أن المنتج السكني كان بعيداً عن الحساسية الاجتماعية والثقافية للأسرة السعودية لذلك لم يكن مرضياً. في واقع الأمر من الصعوبة بمكان الحكم على المساكن المنتجة حديثاً من خلال سياسات التطوير العقاري، لأنه لم يتم تقييمها بعد إشغالها، لكن للوهلة الأولى نرى أن هذه المساكن هي منتج مبني على معادلة اقتصادية مع عدم وجود مراكز بحوث ودراسات إسكانية تهتم بمدى ملاءمة هذه المساكن لمن يسكنها. فهي تعتمد بدرجة أساسية على حاجة الناس للسكن وليس على ملاءمة السكن لحاجة الناس.

ثمة اتفاق بين المتخصصين أن المسكن يمثل ذاكرة للأجيال، ونحن نعلم أن ذاكرة مساكننا أصبحت ضعيفة ولا تحتفظ إلا بالقليل من الذكريات. خلال العقود القليلة الماضية حدثت هزة عنيفة أفقدت مساكننا الذاكرة فلم تعد تذكرنا ولم نعد نذكر تفاصيل ما تحتويه من فضاءات، أصبحنا ننتقل من المسكن قبل أن يصبح البيت مسكناً -أي أننا نبني بيوتاً وليس مساكن-، (والله جعل لكم من بيوتكم سكناً) النحل 80، وأصبحت البيئة العمرانية تتحول من حولنا إلى الدرجة التي لم نعد فيها قادرين على تمييز شكل الفضاء البصري من حولنا، بل إننا لم نعد قادرين على تعريف أنفسنا في هذا الفضاء. يخطئ من يحول قضية المسكن عندنا إلى مجرد قضية عدد أو مساحة، إنها -كما أعتقد- قضية استقرار وقضية تواصل لم يعد موجوداً في بيئتنا العمرانية، وإلا بماذا يمكن أن نفسر تغير نمط المسكن أكثر من أربع مرات خلال خمسة عشر عاماً (دراسة قام بها الكاتب على مدينة الهفوف بين عامي 1980-1995). لعلنا بحاجة أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد من مساكننا؟

رغم أننا أسهبنا في الجانب الثقافي للمسكن، إلا أننا يجب أن نقول: إنه لا يمكن توفير المسكن دون وجود وفرة مالية وتوفر قطع أراضٍ سكنية مناسبة وغير بعيدة عن حركة العمران في المدينة. إحدى الأفكار الأساسية المعاصرة في المسكن الميسر أنه جزء من المدينة ومن تخطيطها، وبالتالي فإن التفكير في توفير السكن يتطلب إعادة النظر في تخطيط المدينة بشكل كامل وليس فقط خلق جزر متقطعة لمشروعات إسكان تفتقر للحس الاجتماعي والعمراني معاً.