بعد مرور ثلاثة أشهر على الحرب الروسية - الأوكرانية، ما زالت روسيا لم تحقق أهدافها العسكرية، والمتمثلة في السيطرة على العاصمة كييف، وإسقاط نظام الحكم، ويمكن تفسير هذا الإخفاق إلى إسهام الولايات المتحدة في وضع الاستراتيجية الدفاعية الأوكرانية، فضلًا عن تقديم معلومات استخباراتية حساسة، لتحميل موسكو تكاليف باهظة عسكرياً إضافة إلى الخسائر الاستراتيجية والاقتصادية جراء العقوبات.

ومن هنا يأتي الاتهام الروسي للولايات المتحدة بأنها منخرطة في حرب ضدها، ليثير قلقاً نحو مواجهة مباشرة بين دولتين نوويتين، رغم محاولة واشنطن الحفاظ على توازن صعب بين استمرار تدفق الدعم لأوكرانيا، بهدف هزيمة روسيا، وعدم استفزاز الأخيرة إلى حدّ يضطرها للرد نووياً، لا سيما إن شعرت بتهديد حقيقي لأمنها القومي.

والواضح أن الاستراتيجية الأميركية حيال الحرب الروسية - الأوكرانية توازن بين أمرين مهمين، أولهما، الحذر من الانجرار إلى صراع عسكري مباشر مع روسيا، والثاني هو رفع التكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية على روسيا إلى مستوى غير مسبوق، من خلال سلسلة عقوبات لعزلها عالمياً، وهذا ما فاجأ موسكو التي راهنت على إحجام الغرب عن فرضها، لاعتمادها على واردات النفط والغاز الروسية.

لذلك يبدو واضحاً، ومن خلال تصريحات أميركية متسرّبة، أن هدفهم لم يعد محصوراً في ضمان هزيمة روسيا، بل في إضعافها لعدم تكرار ما قامت به في أوكرانيا، علاوة على طلب انضمام جمهوريات البلطيق، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، إلى حلف الأطلسي، والذي تراه روسيا تهديدًا مباشراً لأمنها القومي، والسبب الرئيس لدخول الحرب مع أوكرانيا.

وعلى الرغم من إنكار الولايات المتحدة تورطها بشكل مباشر في هذه الحرب، إلاّ أن روسيا مقتنعة بأن الغرب يخوض حرباً بالوكالة ضدها، لإذلالها وهزيمتها ومنعها من تحقيق أهدافها في أوكرانيا، وأن الاستمرار في استفزازها قد يضطرها لدخول مواجهة عسكرية مع الناتو، ستكون حتماً نووية، لأن روسيا غير قادرة على هزيمة الغرب تقليدياً.

مشهد الحربين العالميتين يتكرر من جديد، يفشل القادة والساسة في تحكيم لغة العقل، فتغيب الحكمة، ويحلّ الاندفاع، وقد تنفجر حرب عالمية ثالثة يدفع أثمانها الباهظة البشر، والذين لم يكن لهم دورٌ في اتخاذ قرارها.