إن فوائد السفر تكاد لا تعد ولا تحصى، وفي الإدارة وممارسة الأعمال يعد السفر مدخلاً عملياً وتطبيقياً لكثيرٍ من مفاهيم الإدارة الممارسة في بيئة العمل. والسفرُ مع كونه تجديدٌ للروح، وضخٌ لدماءٍ جديدة في شرايين الإرادة والرغبة في الجد والاجتهاد والمثابرة، هو أيضاً فرصةٌ كبيرة لتعلم كيفية إدارة الوقت والمال أثناء الرحلة، وممارسة ظروف التكيُّف الإنساني مع الآخر، وتحقيق مبدأ التشاركية حيث يكون الإنسان بعيداً عن سنده المجتمعي الذي قد يشيع في نفسه شعوراً مزمناً بخدعة عدم احتياج الآخر الذي ينتمي إلى ربما النقيض في الفكر والثقافة، فيأتي السفر ليجدد المفاهيم، وليحسن الرؤى حول نظرتنا للعالم، وليؤكد لنا من جديد على أهمية التنوع الثقافي والفكري في بيئة العمل الداخلية.

السفر الذي يضعنا من جديد على عتبة الفاصل الزمني والمكاني الذي نحتاجه، لننفصل بكل مودة وهدوء وانسيابية عن المتراكم في يومياتنا، يدفعنا نحو الانعتاق من توتر ربما يستمر لشهور طويلة دون انقطاع مؤثراً على صحتنا النفسية والجسدية معاً، ما يؤثر سلباً ودون أدنى شك على ممارساتنا الإدارية، ويجعلنا مشوشي الذهن رغماً عنا، فيأتي السفر ليحجز بين كل تلك التراكمات ويفتتها رويداً رويداً، لنعود إلى مكاتبنا وقد تركنا وراء أظهرنا كل ذلك الإرث النفسي والعصبي الذي أرغمتنا ظروف العمل على الوقوع بين براثنه لعامٍ كامل.

من السفر نتعلم حين نعود إلى أعمالنا أن كل شيء يمكن إنجازه دون توتر، ودون ضغط، ومن دون تعجُّل، فالمتعجلون في تنفيذ المهام فاشلون لا محالة ولو بعد حين، لذا فإن الهدوء الذي نمارسه أثناء رحلة السفر ينعكس بالضرورة على سلوكنا في فترة السفر تلك، ولعل من المهم أن نلتقط هذا التحول والانتقال من يوم تتسارع فيه ممارساتنا التنفيذية داخل مكاتبنا إلى يوم نستيقظ فيه بعيداً عن ضجيج تلك المكاتب لنقول لأنفسنا وبكل صدق «من المستفيد من إصرارنا على اللهاث خلف المهام لتنفيذها في فترات زمنية غير منطقية في كثيرٍ من الأحيان، سوى العيادات، والمستشفيات، وشركات صناعة الأدوية؟».

نعم، السفر ينقذنا من الدوامة التي لا تتوقف أبداً، وهي تنهك كل يوم أرواحنا، وتجعلنا آلات فظّة ومادية فاقدة للمشاعر وللأحاسيس الإنسانية. فلنسافر لكي نتعلم كيف أن للحياة وجهاً آخر نعلمه جيداً لكننا نرفض أن نجعله يصبغ حياتنا في العمل. لنسافر كي نتعلم أن مقولة «الدنيا ما طارت» ليست مقولة سلبية، وليست مقولة تعيق النجاح، وليست مقولة سيئة السمعة كما يظن الكثيرون، بل إنها المقولة الأشد أهمية في حياتنا اليوم بشرط أن نوظفها بالشكل الصحيح، وأن نأخذ منها الجانب الإيجابي الذي يضمن إنجاز الأعمال ولكن من دون ضغوطات باتت تصيب الناس والموظفين والمديرين وأصحاب الأعمال بالأمراض التي لا شفاء منها حتى اللحظة.