على الرغم من ما منحته الثورة التكنولوجية -خصوصاً الرقمية- لبني البشر من فوائد لا حصر لها، إلا أنها خلقت من البعض نماذج مشوّهة غالباً لا تعي أبعاد وآثار سلوكياتها، وبعضها بدت نماذج مفزعة تميل للعنف بشتى أنواعه الرمزي والمادي وغيره، غير آبهة بمصائر هؤلاء البشر وسلامتهم وتمتّعهم بالصحة العقلية والسلامة الذهنية المُبتغاة. فقد خلقت هذه الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي عبر منصاتها المختلفة شخصيات مهزوزة.

فإذا تجاوزنا الآثار الصحية والنفسية -على أهميتها- لاستخدام وسائل التواصل من إدمان واعتياد وهدر للوقت والجهد والتشتت الذهني وغيرها من الآفات؛ نجدها في جانب آخر أجهزت على قدرات مستخدميها وساهمت في تدمير أفكارهم وخلقت من بعضهم نماذج ومسوخاً بشرية لم تعد تفرّق بين الجميل والقبيح والنافع والضار. وتلبّس ظهورها حالة من الفجاجة والمسلكيات المرفوضة والقبيحة فضلاً عن الآراء والأفكار الغريبة التي ترافق هذا الظهور وبات من البشاعة والقبح ما يجعل مكافحته والتبصير بخطورته مطلب إنساني وحضاري.

فبدل أن يتم استثمار تلك المنصات لتعزيز قيمة الإنسان وتحضّره ونقله نقلة نوعية في عالم التواصل يحقق من خلالها ذاته ويفيد مجتمعه ومحيطه عبر الإنتاج الفكري والثقافي والإبداعي في شتى المجالات؛ نجد أن الاستثمار يتم بطريقة عكسية تكرّس الخواء والتسطيح وقبلها تسليع القيم والإنسان والمثل بطريقة بشعة لا تليق إلا بشريعة الغاب والمجتمعات البدائية.

وتبدو خطورة هذا الحضور حين يتم الاعتياد وتكريس هذا الخواء والهشاشة ما لم يتم التصدي لتلك النماذج من خلال الوعي العميق وإرساء القيم الحضارية النبيلة التي تدعو للفضيلة والحق والجمال.

ولا شك أنها إشكالية حضارية عانى الغرب -الذي يدعي التحضر والإنسانية- منها قبلنا؛ وقد جهر بها وأعلنها علماؤهم النفسيون وفلاسفتهم الذين اعترفوا حقيقة بأنهم يعانون من الأشكال الخطيرة للأمراض الذهنية ودعوا إلى حماية مجتمعاتهم من خلال الوعي وإدخال مناهج أفضل في وقاية الصحة الذهنية وشددوا على ضرورة المصارحة والمكاشفة وأن يتيقنوا أن لديهم نماذج بشرية موتورة ومريضة نفسياً بفعل تلك الوسائل "وسائل التواصل".

وبعيداً عن هذا المهاد الذي كتب أعلاه عن الغرب الذي يعاني من أضرار ومخاطر وسائل التواصل؛ فإننا في المقابل لسنا بمنأى عن فجاجة وآثار هذه الوسائل المدمّرة سيما إذا رأينا هذا التكالب المسعور من مستخدمي تطبيقات ومنصات وسائل التواصل وحالة التتفيه والتسطيح والسلوكيات القبيحة غير المتحضرة التي تُرزأ بها أعيننا في كل لحظة فضلاً عن الصورة الذهنية المشوِّهة لقيمنا ومُثُلنا ومسلكياتنا المنسجمة مع تعاليم ديننا الحضاري العظيم.