الدولة الوطنية (الوطن) هي الوحدة السياسية المعترف بها في النظام العالمي.. وهي مصدر هوية الإنسان اليوم، ومصدر مكانته في هذا العالم. ولم يكن الاعتراف بالوطن وأهميته غريباً على النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وهو الذي قال مخاطباً أرضه (مكة): «والله إنك لأحب بلاد الله إلي»، وهو المصطفى الذي بعث رحمة «للعالمين» بالمفهوم الجغرافي الواسع.

والمتأمل في فكر الجماعات المتطرفة والإرهابية يجد لديها مشكلة مع مفهوم «الوطن»، ومرد هذه المشكلة هو حقيقة أن الانتماء الوطني هي الصخرة التي تتحطم عليها آمالهم وطموحاتهم السياسية في الوصول إلى الحكم. فجماعة كجماعة الإخوان المسلمين عملت منذ نشأتها على محاولة هدم الأوطان، وبناء «دولتهم المنشودة» (دولة التنظيم الدولي للجماعة) القائمة على «آيديولوجيا التنظيم»، فكل من هو خارج التنظيم هو خارج هذه الدولة التي يسعون منذ منتصف القرن المنصرم لإقامتها على أنقاض الدول العربية والإسلامية القائمة. يقول حسن البنا مؤسس الجماعة: «يجب أن نصل إلى أستاذية العالم، والوطن وسيلة وليس غاية». ويقول مهدي عاكف المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين: «.. الإخوان فوق الجميع»، فالإخوان كتنظيم وجماعة، على حسب رأيه، فوق الوطن! بينما الحقيقة أن لا أحد فوق الوطن.

ومن أجل التعمية والتمويه واكتساب المتعاطفين تم تغليف هذا التوجه السياسي بغلاف ديني حيث تم الادعاء أن الهدف من كل ذلك هو الحكم بما أنزل الله وإحياء الخلافة الإسلامية كما يأتي في خطابهم «على منهاج النبوة» لتحقيق هذا الهدف.

لقد حرص الفكر الإخواني على إفراغ مناهج التعليم في الدول التي وُجدوا فيها من ذكر الوطن، وقادته، أو تعزيز الهوية الوطنية في نفوس الطلاب، وكان جل اهتمامهم بالفكر الإخواني الأممي العابر لحدود الوطن. ولكن قدر الله أن تنكشف سوءة هذا التنظيم، وأنه لم يكن سوى مخلب في يد بعض أجهزة الاستخبارات الدولية والإقليمية لنشر الفوضى وزعزعة الاستقرار في الأوطان القائمة.. وسيحفظ التاريخ لملوك هذه البلاد المباركة دورهم الكبير في التصدي لـ»الفوضى غير الخلاقة» التي كادت أن تعم المنطقة بعد انطلاق «الخريف العربي».