للذكريات المزيد من الحنين والشوق، وبين الحين والآخر تبوح الذاكرة بما حفلت به سنين العمر في الزمن الماضي؛ تبوح عن الذكريات الممتزجة بالحُبَّ.. بالشوق، بالوجد، وكلما زاد الإنسان حنيناً وشوقاً ووجداً كلما تذكر المواقف التي لها ذكرى عاطرة في حياته، أو ما يسكن داخله.

وعبر صفحة «بوح الذاكرة» ننطلق إلى عوالم المُبدعين، نحاول أن نستنطق ذكرياتهم.. مع مشاهد ومراحل من مسيرتهم وحياتهم العملية والمهنية، حوارنا اليوم مع أ.د. عبدالله بن علي ثقفان، أستاذ الأدب والنقد في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية «سابقاً»، المولود في بلاد بني بشر «العسران» عام 1368هـ، للحديث عن بوح ذكرياته، وحياة الكفاح التي عشها، وما مَرَّ به في حياته من الآلام التي دفعته للعزم والجزم.

في الصف السادس أصبحت كاتب القرية الوحيد

  • بماذا تبوح به الذاكرة، وتصف الحياة؟

  • إن الحياة عندي تمثل نصاً مفتوحاً، سأكتبه بلغة رجل قد مَرَّت به السنون، ولذلك فإن العبارات في واقعها لا تمثل تلك الحياة التي مَرَّت بي وأنا في قريتي، حيث تَفّرُق بيني وبينها سنوات طوال، وقد أصابتها عوامل التعرية التي نحتت منها ما تنحت الرياح والأمطار من الجبال والصخر، ولأن الواقع كذلك فإن ما بقي في الذهن مثلما يبقى في ذهن راكب عربة القطار السريع وهو يرى عن يمينه وعن شماله الأرض بما عليها وهي تمر أمامه أو هو يمر عليها بسرعة، فلا يبقى في ذهنه إلا بعض الخطوط دون تمييز لدواخلها وأنواعها، أما ألوانها فهي باقية في ذهنه، بما فيها من ورد وشوك وأشجار.. إن هذا لا يعني أنني قد نسيتها، فالإنسان لا ينسى ما مَرَّ به في حياته خاصة المنغصات، فهي لا تنسى، وهي آلام حولتها الحياة إلى صورة أخرى دافعة للعزم والجزم ومواصلة المسيرة في حياة لا تُعلم نهايتها.

  • حدّثنا عن النشأة قبل التعلّم؟

  • وُلدت في قرية حانية بأهلها وبتشكّلها الجغرافي، فأهلها بين أعمام وأخوال وأقارب يمثلون عائلة واحدة، متآلفة متحابة، ولذا، فإن فقد والدي وأنا في سن مبكرة من حياتي وقبل دخولي المدرسة لم يؤثر عليَّ لوجود أم حانية ومراقبة عم ذو هيبة ومكانة، والعيش بين أخ وأخت يرفرف عليهم علم المحبّة والرحمة والألفة، حولنا الأقارب وإن بعدوا، ونعيش كُلّنا في قرية فهي قابعة بين الجبال، التي تحيط بها، وكأنها تحرسها، والله حارسها.

  • حدثنا عن رحلتك مع الحرف، وذكريات الدراسة؟

  • كانت رحلتي مع الحرف شاقة وصعبة، بدأت منذ سلَّمتني والدتي - رحمها الله - لمعلّم قادم من عسير، عندها دخلت المدرسة وأنا بين الخوف الشديد والرغبة، الخوف من هذا المُعلم، ومن بداية الابتعاد عن مكان الألفة والحنان - وأذكر أنا هذا هو شعوري الذي ما زلت أدركه إلى الآن - لكن أمام إصرار والدتي وتشجيع عمي - رحمهما الله - لم أجد بداً من الاستسلام، ومن ثم السير مع الأقران، أو كما قالت والدتي - رحمها الله - وهي تقذف بي خارج باب البيت: - خلّك رجال -!

مضيت في هذه المدرسة التي تعد ثالثة في المنطقة الجنوبية كلها بعد مدرستي أبها وخميس مشيط، حيث يفد إليها الأقران من قريتنا ومن القرى المجاورة والبعيدة الذين كان يدعوهم عمي الشيخ سعد - رحمه الله -، عندما تتعذر عودتهم إلى قراهم مع هطول الأمطار.

لحق بي أخي «سعد» بعد مرور أربع سنوات تقريباً، حيث سبقته وجعلت أصفّ الأقلام الملوّنة في جيبي لتكون عنواناً لي، وأنني قد أصبحت أكتب وأقرأ.. تخرجت في هذه المدرسة، ومكثت سنة كاملة بلا دراسة لبعد المتوسطة الوحيدة التي في أبها ولضعف الحال والأحوال، غير أني أصبحت «كاتب القرية»، فأنا الوحيد الذي يحمل شهادة سادسة، ولذلك شعرت بفخر، وأخذت أكتب لعمي عند الحاجة، ولكبار السن لأولادهم وهم يعيشون خارج القرية.. مضت السنة وكانت أمي غير راضية عن انقطاعي، ولكن تلك الحال هي التي جعلتها تستسلم.

مرت بسلام، وبعدها أخذني عمي إلى أبها والتحقت بالمتوسطة، وهنا بدأت حياة ممزوجة بالفراق والتعب والألم وضيق الحال والعيش في مكان بعيد وكانت من أصعب بل من أسوأ السنوات في حياتي إذ عشت في «أبها سنتين عجاف لا أعرف خلالها إلّا الماء والخبز الجاف» وبعدها اتّفقت والدتي مع عمي - غفر الله لهما - أن يأخذني ولد عمّي سعيد - غفر الله له - إلى المنطقة الشرقية علّي أدرس هناك، وفعلاً ذهبت للشرقية وطلبت منه أن أبحث عن عمل، وأحوّل دراستي في الليلية، فكان أن تقدّمت للجوازات والجنسية أيام زمان وطلبت حفيظة نفوس وحوِّلت للمستشفى، وطلبت من الطبيب أن يزود في عمري كي أجد عملاً، فكان أن زوده، ومزجت بين العمل الذي أنا فعلاً في مسيس الحاجة له ولحاجة أهلي أيضاً وبين الدراسة.

مرّت بي الحياة وأخذت أرفد أهلي بما أستطيعه من مال، حيث أبعثه لهم، وأخذت أتعلم حتى تخرجت في الثانوية بتقدير «ممتاز» ولمواصلة الدراسة التي كنت أفضلها على العمل، انتقلت للرياض حيث تقدمت للجامعة، وهنا بدأت حياة جديدة حاولت أن أخرج منها بتقدير يؤهلني لوظيفة أعلى، وفعلاً تخرجت بمرتبة شرف في اللغة العربية، وبعدها عدت لقريتي مديراً لمتوسطتها وبعد أن تكاثرت المدارس في الجنوب، ولأن الخالق قد كتب لي كفاحاً جديداً، فقد عدت للجامعة معيداً، وواصلت هذا العمل والكفاح مع الحرف وبتوفيق الله ثم بدعاء والدتي حتى نلت شهادة الدكتوراة، ثم واصلت العمل مع الحرف حتى وصلت إلى أعلى رتبة علمية في الجامعات «أستاذ».

تلك حياة كفاح، وهي حياة ممزوجة بالتعب والألم، والفراق، والغربة، والقلق والحزن والأمل في حياة طيبة وكل ذلك هان أمام ما تحقق بفضل الله، ثم بفضل ما هيأته لنا حكومتنا من مسببات في السعي لطلب العلم إلى أقصى درجاته.

  • ما قصة خطك الجميل والكفاح لأجل العمل؟

  • في بداية معرفتي بالعمل كان خطي الجميل هو الذي هيأ لي وظيفة في الحرس الوطني، حيث عملت كاتباً برتبة جندي، وكان الراتب قليلاً، بمعنى أنه لا يكفيني في المصروفات فكيف أوفر منه لأبعثه لأهلي، وأخذت أبحث عن عمل أفضل، وفعلاً توظفت في «سكة حديد الدمام» مساعداً لمأمور مستودع والخط نفسه هو الذي جعل الأستاذ خالد القصيبي وكان وقتها مديراً يقبلني مباشرة للعمل، ولطموحي.

تدرّجت في مسالك الدرس والتحصيل وتخرجت في الجامعة وأصبحت مدرساً ثم واصلت دراستي بعد أن هيأت لي الجامعة ذلك فعُيّنت معيداً، ثم محاضراً، ثم أستاذاً مساعداً في جامعة الإمام، حتى وصلت إلى رتبة الأستاذية، بل ترأست أقدم قسم أكاديمي في الجامعات السعودية «قسم الأدب» في كلية اللغة العربية في الرياض ووقته كان يحوي علماء في هذا الفن بحق وحقيقة وبالرغم من هذا السعي فقد أشرفت على العديد من الرسائل العلمية بين ماجستير ودكتوراة كما حكمت العديد من البحوث للترقية وللنشر في المجلات العلمية وما زالت إلى الآن.

إن كل هذا الكفاح - لولا الله - ما تحقق، فكم تعرضت لمنغصات وأشواك وأحجار وعراقيل ولكنها لم تكن شيئاً أما «كلمة كفاح» ولله الحمد، لأن من يملك طيبة بلا غباء، وصبراً بلا مذلة، وكفاحاً بلا تعال، وفرحاً بلا تهور، وأمنيات معقولة غير مستحيلة، وشعوراً بالمسؤولية، وفوق ذلك كله ثقة بالله جلّت قدرته، أقول إن من يملك كل ذلك فلن يضيعه الله.

  • د. عبدالله: ماذا عن رحلتك مع الصحافة؟

  • كانت رحلتي مع الصحافة رحلة ماتعة بل شائقة، إذ توجهت لها برغبة ومحبّة، دون أن أترك عملي الأساس في الجامعة، ولأن هذه الرحلة لا تتعارض مع عملي، فقد ساعدتني القراءة والبحث في محاولة فهم الحياة العلمية والأدبية، إذ كنت أقضي الساعات يومياً بين التدريس وبين المكتبة لدرجة أنني لا أعود لمنزلي إلّا وأنا منهك، ولكن الدافع كان قوياً، فعملي يدفعني للقراءة والتنقيب والبحث ورغبتي في الصحافة والكتابة تدفعني للقراءة الحرة، إذ لا أترك صحيفة أو مجلّة في المكتبة في الجامعة إلّا وأحاول الوقوف عليها وعندها، زاد على ذلك بعض التكليفات التي كان يكلّفنا بها أساتذتنا في الدراسات العليا مثل تكليف أستاذي الدكتور محمد الشامخ رحمه الله لي بعمل رصد بيليوجرافي للمقالات الأدبية وكتّابها في صحيفة البلاد، وفعلاً عملت ذلك وما يزال البحث مخطوطاً ومحبوساً في الأدراج لأكثر من خمس وأربعين سنة.

مرَّت السنوات وأنا بين القراءة المفروضة، والقراءة الحرة وحاولت الجمع بينهما، حتى تحوَّلت عقليتي بفضل الله إلى أشبه بخميلة فيها الورود والرياحين والأشجار الباسقة، والصغيرة...، وكنت قد تعاملت مع كل ذلك مثلما يتعامل البستاني مع أشجار الورد، يُبعد عنها ما ليس منها وينقيها من الأوشاب، ويعالج ما فيها من العلل. ويبرز جمالها، فإذا هي مرأى تسر الناظرين، أو كما قال وهب رومية في «الشعر والناقد». وهذا قد أثّر فيَّ لدرجة أنني لم أعد أقبل ببعض القراءات التقليدية، وتحولت إلى أشبه بناقد، وهذا جعلني أتعامل مع الصحافة تعاملاً عملياً، إذ عملت مع «مجلَّة الفيصل» محرراً متعاوناً لإعداد الحركة الثقافية في شهر وذلك لأكثر من عشر سنوات متتاليات، كما عملت مستشاراً لمجلة الحرس الوطني، ومحرراً متعاوناً مع «مجلة دراسات أندلسية» في تونس، ومستشاراً ثقافياً «للمجلة العربية» بالرياض.

أما المقالات، فكانت الصفحات الثقافية في صحيفة: الرياض والجزيرة، خاصة مكاناً لمقالاتي النقدية والأدبية، وقد احتفى بي الزملاء في هاتين الصحيفتين، خاصة الأساتذة: سعد الحميدين وبعده عبدالله الحسني، وفي الجزيرة صالح الأشقر - رحمه الله - ومعه سعد الدوسري وعلي الشامي ونسيم الصمادي وبعدهم الدكتور إبراهيم التركي، كذلك كتبت في الصحف الأخرى، مثل المدينة واليوم.

  • كلمة أخيرة:

  • تلك حياة قد مضت وتبقى ذكرياتها، وأنا الآن أعمل في صداها، إن أحسنت فيها فذلك بفضل الله، وإن لم أحسن فحسبي أنني قد جاهدت وسعيت وكافحت مقتنعاً بما قسمه الله لي، غير قانط من رحمته وستره، فهو نعم المولى ونعم النصير.

الضيف عندما كان مديرا لمتوسطة العسران بالمنطقة الجنوبية
الضيف في عمر الشباب
لقطة جماعية للضيف مع عمه الشيخ سعد بن ثقفان - رحمه الله - وبعض أبنائه وأحفاده ومنهم الشيخ سعيد بن ثقفان - غفر الله له - والعميد متقاعد عبدالله بن سعد
على ضفاف وادٍ بحائل مع أ.د. ناصر الرشيد وأ. سعد العتيبي