دعوات غريبة يرددها البعض في وسائل التواصل الاجتماعي تحث الشباب على ترك وظائفهم، والاتجاه إلى العمل الحر، وبرامج تستضيف من تركوا وظيفة بعد سنوات من الدراسة، وذهبوا للعمل في وظائف حرفية: طبيب ترك مهنته وأصبح نجارا، مهندس ترك الهندسة وصار خبازا، طيار ترك التحليق وأصبح سائق شاحنة!

قد نتفهم لو أن هذه الدعوات استهدفت الباحثين عن عمل أو من يوشك على التقاعد، لكن أن تستهدف هذه الدعوات الموظفين الشباب، فذلك أمر يزعزع استقرارهم، ويؤدي إلى اختلالات في سوق العمل السعودي.

بعض المنادين بالعمل الحر تعرضوا إلى هجوم حاد ممن أخذوا بكلامهم ووقعوا في ورطة، وهذا ما يدفعنا إلى القول إن "العمل الحر" ليس مجرد عرض "حالات استثنائية"، ولا هو مجرد "وثيقة" تصدرها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، إنما هو موضوع متشابك.

أولا، القدرات والتوجهات تختلف من فرد إلى آخر، فهناك من لديه "توجه" لممارسة العمل الحر، مع تفضيل لقيمة الحرية - أي التحرر من قيود الوظيفة - وقبوله لمخاطرة عدم ثبات الدخل، بينما هناك من يحب العمل في وظيفة مستقرة مفضلا قيمة الأمان وثبات الدخل، ومتحملا تبعات القيود.

ثانيا، الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأفراد غير متطابقة، فثمة فرق بين "عصامي" بدأ من الصفر فعلا، وشخص يدعي إنه "عصامي"، وهو مولود بملعقة من ذهب، ومسنود من أبيه وشبكة علاقاته، كلما تعثر امتدت إليه أيدٍ تنهضه، وتسدد عنه الديون والالتزامات!

ثالثا، يجب توفير "ممكنات العمل الحر"، وهي منظومة متكاملة تكفل الدعم والمساندة للانطلاق والاستمرار بكل سهولة وأمان، أبرزها: التمويل السهل والكافي، والتأمين الطبي، والمعاش التقاعدي. حاليا، يقدم بنك التنمية الاجتماعية قرضا لممارسي العمل الحر، حيث يمنحهم منتج "نفاذ" تمويلا نقديا لا يتجاوز 120,000 ريال، وتمويلا عينيا بحد أقصى 150,000 ريال، وفق مجموعة من الشروط، من ضمنها توفر الكفيل الغارم، ونلاحظ هنا أنه مع صعوبة بعض الشروط، فإن مبالغ التمويل غير كافية بالنظر إلى وضع السوق.

كما أنه لا توجد وثيقة للتأمين الطبي تغطي ممارسي العمل الحر، علما أنني سبق أن اقترحت في حسابي على "تويتر" فكرة توفير مثل هذه الوثيقة على وزارة الموارد البشرية ومجلس الضمان الصحي، وعلى إثرها تواصل المجلس معي، مؤملا أن تكون هذه الفكرة في طريقها إلى النور.

أما بالنسبة للمعاش التقاعدي، فإن نظام التأمينات الاجتماعية يتيح لأصحاب العمل الحر الاشتراك في فرع المعاشات اختياريا، حيث يختار المشترك شريحة من شرائح الدخل الشهري، لكنه يدفع 18 % من قيمة الشريحة عن كل شهر اشتراك، بينما ممارس العمل الحر لو ظل على "وظيفته" سيتحمل نسبة 9.75 %.

لذلك، إذا أردنا تشجيع الأفراد على العمل الحر، فعلينا أن نصوب أعيننا نحو الباحثين عن عمل والموشكين على التقاعد، مع توفير الممكنات، من حيث التمويل السهل والكافي، وتوفير برامج للتأمين الطبي، وإعادة النظر في النسبة العالية للاشتراك الاختياري.