فاجأت نتائج الانتخابات النيابية اللبنانية أغلب المراقبين، وليست المفاجأة في انحسار أغلبية "حزب الله" وحلفائه في البرلمان، فتراجع شعبية (الحزب) و(التيار الوطني الحر) كان واضحاً على وقع الانهيار الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه لبنان، إنما تكمن المفاجأة في تراجع الحزب في عمق حواضنه الشعبية ومناطق نفوذه، مما يؤشر إلى نشوء تململ شيعي داخلي وإن في حده الأدنى، ووجود طيف داخل الطائفة الشيعية يرغب في مراجعة سياسة الحزب ونتائج هيمنته على السياسة في لبنان، التي قادت البلد إلى أسوأ مرحلة في تاريخه الحديث، وسممت علاقاته الأصيلة بمحيطه الطبيعي، ودمرت اقتصاده ومقدراته.

الحقيقة أن نتائج الانتخابات، مثلت استفتاءً شعبياً على خيارات (حزب الله)، أو بالأحرى إدارته للبنان في العقد ونصف العقد الماضي، وما أدت إليه هيمنته من انهيارات أمنية واقتصادية وبيئية، وقطيعة سياسية، ويبقى السؤال الصعب: هل تؤدي نتائج الانتخابات إلى انفراج في الوضع اللبناني المستعصي؟.. والحقيقة أن الجواب لا يستدعي سوى عودة قصيرة للماضي، وتحديداً انتخابات 2009 التي فاز بها تحالف 14 آذار "الفريق السيادي" بالأغلبية على حساب "حزب الله" وأمل والتيار الوطني الحر، فكان أن تم إفراغ هذا النصر من معناه عبر حجة الثلث المعطل، ومناكفات الحزب بشأن محكمة الحريري، والتي نجحت فعلاً في تعطيل تشكيل الحكومة قبل أن تنجح في إسقاطها لاحقاً، وصولاً إلى تحكم "حزب الله" بتسمية الحكومة بدءاً من رئيسها، إلى بقية حقائبها، في سلوك يفرغ الانتخابات من معناها، ويعكس نهجاً مكشوفاً للهيمنة وتكييف إرادة الدولة على هوى الحزب ومسيريه في طهران.

ولذا يبدو الأمل بحدوث التغيير المنشود في لبنان صعباً جداً طالما بقي سلاح "حزب الله" مسلطاً على رأس لبنان، وطالما بقيت سيادة لبنان منقوصة لحساب أجندة النظام الإيراني، ويخشى اللبنانيون ومحبو لبنان أن يكون صوت الأغلبية الصامتة الذي تجلى في هذه الانتخابات الأخيرة مجرد صرخة في الفراغ.