لقد أصبح التاريخ عند ذلك الجيل الشعري منبعًا للإلهام وإن كان الشاعر أليوت تداخل في (الأرض اليباب) مع التاريخ العالمي فإن أشعار ووالتر سكوت دخلت من ذلك المدخل، فقد استطاع كلا الشاعرين أن يوجدا القصيدة التاريخية، وذلك عن طريق مزج الفن بالتاريخ وتصوير الماضي التاريخي تصويرًا فنيًا..

الاقتباس في النص الشعري مذهب قديم في اللغة الإنجليزية استفاد منه الشاعر الإنجليزي الكبير جون ملتون كما استفاد منه الشاعر المشهور توماس أليوت فقد ظهر بصورة واضحة في قصيدته المشهورة (الأرض اليباب) أو (الأرض المقفرة) أو (الأرض الخراب) أو (أرض الضياع) والتي تعد بإجماع النقاد من أروع ما كُتب على الإطلاق.

كتب أليوت قصيدته الأرض اليباب عام 1922م تحت تأثير أجواء الحرب العالمية الأولى فالمصير القاسي والحوادث المرعبة والأمكنة الموحشة والأمزجة السوداوية التي عاشتها الحرب تجلت واضحة في مقاطع القصيدة والذي ارتبط ذلك كله بمفهوم الشر، فالشر يشوه الحياة ويحطم الكيان البشري ويجلب الحوادث المرعبة.

وفي هذا يقول الكاتب أوميد عبدالكريم إبراهيم: إن تكدس الموتى وتراكم الأهوال وعذابات الضمائر والمناظر البشعة والعبارات المكتوبة على شواهد قبور ضحايا الحرب بمثابة شرارة الإلهام للشاعر أليوت في نظم قصيدته والتي يقدم فيها صورة مظلمة للعالم المعاصر تعكس قتامة الواقع الأوروبي والانكسارات والهزائم التي خيمت على العالم عقب انتهاء الحرب.

تتألف (الأرض اليباب) من 434 بيتًا فقد أدخل الشاعر الاقتباسات والتضمين والإشارات على القصيدة أخذ عن الشاعر شكسبير وأفيد وبولدير ودانتي ووليم وردزورث واقتبس من ثقافات الشرق القديم فقد كان درس الفلسفة الهندية واطلع على اللغة السنسكريتية وتأثر بالأدب الصيني والفارسي وشعر المعلقات.

وكان الشاعر أليوت ولد عام 1888م وتوفي عام 1965م نشأ بسانت لوس في الولايات المتحدة الأمريكية وتلقى تعليمه الجامعي بين عام 1906م و1915م في هارفرد بأمريكا والسوربون في فرنسا وأكسفورد في إنجلترا.

استقر في إنجلترا بعد عام 1915م وتجنس بالجنسية البريطانية وكان مرموقًا بين أدباء عصره اشتهر بعد نشره منظومته الأرض اليباب.

ويقال إن الذي نشر حينذاك كان شيئًا مختصراً اختصره منها -وهي طويلة جداً- أستاذه الروحي أزرا باوند.. وقد تحدث الدكتور عبدالله الطيب بشيء من التفصيل الفني عن القصيدة متناولاً مسألة الاقتباس بتوسع فقد ظهر الاقتباس واضحًا في القصيدة.

ورب قائل إن المعاني مشتركة والعواطف الإنسانية متقاربة وخواطر البشر كثيرًا ما تتفق، ولذلك قديمًا قيل قد يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر، ويرد على مثل هذا القائل بأن الصياغات والأشكال البيانية والرنات المعبرة المؤثرة هي التي يتفوق بها الشعراء والكتاب والخطباء ويتميزون عن غيرهم وهي التي يقع فيها التقليد والأخذ والتوليد والنظر والإغارة والاختلاس.

ولقد فطن إلى ذلك نقاد العرب القدماء وخصصوا له الأبواب في تصانيفهم ومما تعمقوا في الفطنة إليه والتنبيه عليه أن الأخذ يكون في نوع الصياغة كما يكون في المعاني.. على أن الأخذ لا يقع في المعاني وحدها وأن التشابه والتوافق وتوارد الخواطر في المعاني جائز.

أما الصياغات وأشكال الأداء فأمرهما مختلف ومتى وجدنا تشابهًا فيها وجب علينا أن نرجح أخذ المتأخر في ذلك الزمان عن المتقدم وأن نجزم بذلك متى ما وجدنا ما يدل على الصلات والوسائط التي يكون بها الأخذ.

ورغم الشهرة الواسعة التي نالها الشاعر أليوت والحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1948م فإن إنتاجه الشعري قليل وقد قال يوماً: إن سمعتي مبنية على قليل من الأبيات أقول قصيدتين أو ثلاث قصائد في السنة.

لقد أصبح التاريخ عند ذلك الجيل الشعري منبعًا للإلهام وإن كان الشاعر أليوت تداخل في (الأرض اليباب) مع التاريخ العالمي فإن أشعار ووالتر سكوت دخلت من ذلك المدخل فقد استطاع كلا الشاعرين أن يوجدا القصيدة التاريخية، وذلك عن طريق مزج الفن بالتاريخ وتصوير الماضي التاريخي تصويرًا فنيًا.