لا صوت يعلو على صوت الماكينات الانتخابية في لبنان، حتى إن ضجيجها غطى على صراخ شعبه الرازح تحت وطأة أشد أزمة اقتصادية ومعيشية في تاريخه، خصوصاً أنها الانتخابات الأولى بعد احتجاجات 17 أكتوبر، والنقمة الشعبية الواسعة على حزب الله، والطبقة السياسية الحاكمة وأحزابها.  

ما زال اللبنانيون يحلمون بالتغيير رغم قتامة المشهد، ورغم اعتقادهم أن الانتخابات ستفرز المنظومة السياسية نفسها، وأن التحالفات الانتخابية لم تختلف عن السنوات السابقة، حيث لا مجال لأي فرصة إيجابية في ظل اهتراء الدولة، وتخبط دولي، ونفوذ إيراني، وانقسام وطني، واستعارٍ طائفي، إضافة إلى الإدراك الشعبي الكبير أن صناديق الاقتراع ليست سوى مضيعة للوقت، وأن حظوظ إحداث تغيير سياسي ضئيلة جداً، في بلد يقوم على المحاصصة الطائفية، والتوريث السياسي.

فحزب الله الذي أطلق شعاراته الانتخابية الطائفية والشعبوية في مهرجاناته التعبوية المعتادة، وتحت عناوين فضفاضة، والذي يجوب معمموه بين المناطق المحسوبة عليه، ليطلقوا فتاوى شرعية للتصويت له بمثابة فريضة عبادية، ورغم التململ داخل بيئته الحاضنة وتراجع شعبيته على خلفية تسببه في الأزمات الطاحنة التي تواجه اللبنانيين.. لا يحمل حلولاً للأزمة، بل يسعى باسم لبنان إلى مصادرة دوره، وفرض شروطه على طاولات التفاوض الإقليمية والدولية.

وحتى لو لم يتمكّن الحزب الوظيفي من السيطرة على لبنان بشكل مطلق، والتحكم في جميع مفاصله، على غرار سلطة خامنئي، إلاّ أنه تمكّن من حكم لبنان وشلّه بآلية التعطيل، وفيتو التوافقية، منذ اتفاق الدوحة في العام 2008م، وهي لعبة أتقنها الحزب وحلفاؤه منذ العام 2005م، فحتى لو خسروا الانتخابات، فبإمكانهم عرقلة عملية تشكيل حكومة لبنانية لأشهر أو حتى سنوات.

لذلك لا يمكن قراءة المشهد الانتخابي في لبنان بعيداً عن نفوذ طهران، وحماية مشروعاتها التي يشكّل حزب الله عنصراً مهماً فيها، لا سيما في وقتنا الراهن.