وقت دراستي الجامعية في طوكيو تم تكليفي بإدارة مشروع لمؤتمر فيديو عبر الأقمار الصناعية بين الطلبة المتفوقين في السعودية واليابان نظمه النادي العلمي السعودي وقتها. بعد نهاية المؤتمر تمت دعوة الطلبة اليابانيين في المرحلة الجامعية والثانوية لزيارة المملكة وكنت مرافقاً لهم، في طريقنا أضاع طالب الثانوية الياباني (سوجيموتو) بطاقة صعود الطائرة الخاصة به في محطة الترانزيت في إحدى الدول الخليجية، وبعد جهود مضنية تم إصدار بطاقة جديدة له، كان (سوجيموتو) في حالة نفسية سيئة ومعنوياته محبطة وثقته مهزوزة، ورغم غضبي الشديد وقتها من غلطته وما سببته من قلق واحتمالية تأخر الوفد كاملاً، قررت أن أتعامل مع غلطته بطريقة مختلفة بأن أجمع جوازات سفر جميع أعضاء الوفد، بما فيها جواز سفري، وأسلمها إلى سوجيموتو ليكون مسؤولاً عنها ويحافظ عليها حتى نصل إلى السعودية بسلام، ورغم ثقل المسؤولية على (سوجيموتو) إلا أنه وبعد تسليم الجوازات للوفد كان يشعر بثقة وحماس للرحلة ورغبة كبيرة في التعرف على المملكة.

عاد سوجيموتو إلى طوكيو بعد زيارة لمدة أسبوعين في السعودية، وقام بعدة محاضرات في اليابان وكتب مدونات لينقل تجربته إلى بني قومه اليابانيين، وتخرج من الثانوية بتفوق ويلتحق بجامعة كيؤو العريقة، ويصبح بعدها طبيباً يشار له بالبنان. كل مرة أتذكر فيها هذه الحادثة أحمد الله أني لم أتهور وأفقد أعصابي وانفجر غاضباً في سوجيموتو وأعاقبه بإعادته إلى اليابان دون استكمال الزيارة. ربما كنت سأبدو قائداً حازماً قادراً على ضبط الأمور على المدى القصير، ولكن على المدى البعيد كنت سأصنع شخصاً ذا مكانة اجتماعية في اليابان لا يحب السعوديين والعرب، ويمتلك مشاعر سلبية تجاههم بسبب قرار متهور من مسؤول لا يستطيع التحكم في مشاعره وانفعالاته.

الموقف الذي حصل بيني وبين سوجيموتو يحصل كل يوم في بيئات العمل بين الرؤساء والمرؤوسين وبين الزملاء وفرق العمل. الخطأ وارد لا محالة، ولكن ما يصنع الفرق بين المنظمات والقادة هو كيفية التعامل مع الأخطاء والغلطات، ففي بيئات العمل السامة يتم التعامل مع الغلطات بين الأفراد والجماعات المتحاربة كفرصة ذهبية للتشفي والتشهير وتشويه السمعة والتشكيك في القدرات والمحاولة لقتل أي احتمالية لصعود مستقبلي. ونتيجة لذلك، تصبح الثقافة السائدة هي الحرص على عدم ارتكاب أي أخطاء والمحافظة على الوضع القائم مما يقتل روح المبادرة والابتكار والإبداع تماماً.

وبالمقابل، ففي بيئات العمل الصحية والداعمة للنجاح ينظر إلى الغلطات والأخطاء كفرصة للتعلم وللنصيحة ولتقديم علم وخبرة يستفيد منها كل شخص معرض للخطأ، وكلما زاد اجتهاد الإنسان وطموحه للإبداع والإنجاز زادت احتماليات فشله وأخطائه. ومهمتك كقائد هي التأكد من أن الشخص الذي أخطأ تعلم الدرس جيداً وعنده العزيمة ولديه الدعم اللازم ليواصل المسيرة دون يأس حتى تحقيق النجاح.

في الواقع، عند التعامل مع الأخطاء فعلى القائد أن يتذكر أنه ليس حكم مباراة يوزع الكروت الصفراء والحمراء ويطرد اللاعبين من الملعب، بل يمكنه كقائد أن يمنح كرتاً أبيض يمسح الأخطاء السابقة الخاصة باللاعبين إذا التزموا وأبلوا بلاء حسناً، بل ويمكن منح اللاعبين الجوائز والحوافز وسط المباراة حتى يحققوا البطولة.

وباختصار شديد، عندما يخطىء الموظف أو الزميل أو أي شخص فلا تتعامل مع الغلطة على أنها فرصة للانتقام والتشهير، بل هي فرصة للتعلم والتقدم إلى الأمام والتطوير.

وختاماً، نجاح القائد ليس في أن يعاقب الفاشلين، بل في أن يحولهم إلى ناجحين وصانعين وداعمين لناجحين آخرين من خلفهم.