لا يختلف أحد على أن إرساء الأمن وتعزيز حالـة السـلـم ومنع الفوضى ضـرورات إنسانية وحضارية من خلالها يتم تحديد مواقع الدول على سلّم الحضارة كما أنها تعطي مؤشّراً حقيقياً وصادقاً على حال تلك الدول وقوّتها أو ضعفها إن على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي.

ويتبدّى هذا الاستقرار والسلام على الفرد والجماعة وينعكس على شعورهم بمباهج الحياة والشعور بالأمن والاطمئنان على النفس والمال والدين والفكر والعقل، والتي تُعدّ من الضرورات الخمس التي لا تستقيم حياة إنسانية طبيعية إلا بها.

من هنا تبرز أهمية المؤتمرات واللقاءات وكذلك الأبحاث التي تتناول وسائل وسبل تعزيز هذا الأمن بين الدول وإشاعة قيم السلام والتواد والتسامح وقبول الآخر ونبذ العنف والإرهاب والأفكار المتشددة التي تقود للممارسات العنيفة وتشعل فتيل الكراهية كما هو حاصل في الدول التي تسلّل إليها الإرهاب والعنف بسبب الأفكار التي وجدت بذورها تربة خصبة فكانت النتيجة وبالاً ودماراً واقتتالاً وتدميراً طال تلك الدول وعطّل تنميتها وقضى على إنسانها وجعل من مجتمعاتها مسوخاً بشرية يطاردها العنف والكراهية والاقتتال الشرس بشكل لا يمكن تصوّر بشاعته وقبحه.

بالأمس دعا الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إلى وحدة الصف سيما وأنّ هذا المؤتمر يأتي في ظل تحديات جمة تواجهها الأمة الإسلامية بما فيها تشويه صورة الإسلام، وأكد على أن هذا الوضع يتطلب من المسلمين دولاً ومجتمعات ومؤسسات الوقوف صفاً واحداً للعمل على استرجاع مفهوم الوحدة الإسلامية والصورة الحقيقية للدين الإسلامي الحنيف.

وهذا المؤتمر لم يكن الأول ولن يكون الأخير؛ فالحاجة لمثله ملحّة وراهنية خصوصاً أن عالمنا على امتداده يشهد تحديات كبرى وكذلك تغيرات عدة على الصعيد الدولي شهدت تفشّياً للحروب والنزاعات العرقية والطائفية، وكما أبان الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أنه لم يسلم العالم الإسلامي من آثار ذلك حيث اندلعت الحروب والفتن، ما تسبب في عدم الاستقرار في كثير من الدول الأعضاء، وختم بالتنويه إلى نقطة غاية في الأهمية وهي أن العالم الإسلامي مدعو أكثر من أي وقت مضى، دولاً وشعوباً ومنظمات ومؤسسات حكومية وغير حكومية للعمل معاً بهدف صياغة وعاء إسلامي جامع شامل يتضمن قواعد وأصول وثوابت التلاقي التي تحكم العلاقة البينية بين المكونات المختلفة للأمة المسلمة.

إنها دعوة تحتاج إلى تعاون حقيقي بين دولنا؛ تعاون يعمل على تقليص الفجوات الفكرية بينها ويجسّر العلاقة ويعمل على تفعيلها بما يخدم هذا الأمن والاستقرار الذي بات مُهدَّداً بشكل يدعو للقلق على مصير شعوبنا واستقرارها. ولعل الحوادث الإرهابية وانتشار العنف والاقتتال الطائفي وانتشار الكراهية دليل على أهمية التنسيق وتوحيد الصف.

إن هذا المؤتمر وما سينبثق عنه، خارطة طريق مهمة يُعوّل عليها في تعزيز رصيد دولنا الثقافي والحضاري الذي تحتاجه أُمّتنا العربية والإسلامية الأمر الذي يستدعي استثماره بشكل إيجابي ويمهّد -كما أُريدَ له- لتوحيد الرؤى وخلق جسور التضامن والتفاهم والعمل الجماعي بين مكونات الأمة الإسلامية.